عبد الحميد كناكري خوجة: فلسطين.. حين تتحول النكبة إلى اختبار لأخلاق العالم وسقوط النظام الدولي.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: فلسطين.. حين تتحول النكبة إلى اختبار لأخلاق العالم وسقوط النظام الدولي.

”ثمانية وسبعون عاما بين جينالوجيا الاقتلاع، و ميتافيزيقيا الصمود، وانكشاف خرائط التطبيع أمام معادلة المقاومة والكرامة."

ثمانية وسبعون عاما، وما تزال فلسطين تصلي فوق ركامها، وتكتب بالدم والرماد مرافعة الحق الأخيرة في وجه إمبراطورية القتل والاستيطان. ثمانية وسبعون عاما، والعالم يتشدق بالهيومنريستية والديموقراطية والليبرالية، يقف مرتبكا أمام طفل فلسطيني يحمل حجرا في مواجهة ترسانة نووية مدعومة من حكومة ”الطاغوت الأكبر", ذلك الكيان الامبريالي الذي حول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تدار وفق مصالح الهيمنة.

قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}. إن فلسطين ليست مجرد حدود مغتصبة، بل هي سيميولوجيا الوعي الحر، وبوصلة الضمير الإنساني، والقضية التي تكشف زيف الحضارة حين تتخلى عن العدالة. لقد شكلت النكبة عام 1948 أخطر مشروع كولونيالي إحلالي في العصر الحديث؛ مشروع قام على التهجير والمجازر، وكسر الهوية، وطمس الذاكرة، من دير ياسين إلى كفر قاسم، ومن صبرا وشاتيلا إلى جنين وغزة، سال الدم الفلسطيني شاهدا على وحشية الاحتلال الغاصب، ذلك الكيان الذي لم يكتف باغتصاب الأرض، بل سعى إلى إغتيال التاريخ والإنسان والمعنى. وفي غزة، ”قطاع الشرف والعزة". بلغ الإجرام حدا جعل الإنسانية تبدو كأنها تحتضر؛ أطفال تحت الأنقاض، مستسفيات ومستوصفات تقصف، وأحياء تمحى من الخارطة، بينما بعض الحكام الأشد نفاقا أصحاب الكراسي المزخرفة، يصافحون يد المغتصب القذرة، ويركعون لمنظومة التطبيع والارتهان، في مشهد يختلط فيه الإنبطاح السياسي بالانهيار الأخلاقي. وفي المقابل لا يمكن إنكار المواقف التي اتخذتها طهران وشعبها العظيم منذ فجر ثورتها المنتصرة سنة 1979 حين أعلنت دعم فلسطين والقدس قضية مركزية، ورغم الحصار والعقوبات والحروب الناعمة والخشنة. لقد قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجا في المؤازرة السياسية والإعلامية والاستراتيجية، واضعة القضية الفلسطينية في قلب خطابها الجيوسياسي.

كم برزت حركة المقاومة الوطنية اللبنانية، بوصفها أحد أبرز نماذج المقاومة في المنطقة إذ قدم أبطالها الأشاوس تضحيات جسيمة في مواجهة الاحتلال، وربط مصيره بمصير فلسطين، مؤكدة أن معركة الأمة واحدة، وأن الكرامة لا تتجزأ.

ومن هنا، فإن الواجب القومي والأخلاقي والديني يفرض على أشقائي السوريين التمسك بحق تحرير الجولان وسائر التراب السوري في الجنوب من المغتصب الصهيوني، ورفض أي محاولة لتكريس الاحتلال كأمر واقع.

وككلمة ختامية، فلسطين اليوم ليست سؤال شعب فقط، بل سؤال البشرية كلها: هل يبقى العالم أسير القوة والغطرسة، أم يستعيد ضميره قبل أن تبتلعه ميتافيزيقيا الظلم؟

إن المجاهد الفلسطيني الذي يقف بين الركام، أكثر شرفا من كل المؤتمرات الصامتة، وأكثر صدقا من بيانات الإدانات الباردة.

وستبقى فلسطين، مهما اشتد الحصار، قبلة الأحرار، وامتحان الكرامة الإنسانية، والجرح الذي يفضح سقوط هذا العالم المتشدق بالأخلاق، وكما قال محمود درويش: ”على هذه الأرض مايستحق الحياة".

كاتب سوري حر.