كتب حسن علي طه
التاريخ ظالم وكاذب.
كيف لا، واليوم تُزوَّر الوقائع والأحداث، فيصبح المتعامل مع العدو فخامةً وسياديًّا، والمجرم المحكوم ينظّر للعدل، ومن ضحّى بكل وأغلى ما يملك خارجًا عن القانون.
كل هذا في عصر التطور المذهل لنقل الصورة والحدث.
فماذا عن التاريخ؟
التاريخ القريب، الذي ربما تجد شخصًا معمّرًا ما زال حيًّا يروي لك حقيقة أصدق من الكتب.
أمس، إبان الاحتلال الفرنسي، كان المقاوم قاطع طريق، ومع بشائر الانسحاب تحوّل عملاء فرنسا إلى ثوار رسموا علم الوطن وسكنوا قصور الرئاسة، وليس آخرهم بشارة الخوري بكل جبنه وذله للفرنسيين.
واليوم، التاريخ يعيد نفسه مع احتلال أورثنا إياه الاحتلال الفرنسي والإنكليزي لبلادنا.
القاسم المشترك هو أن من قاوم وضحّى في وجه الفرنسي، اليوم أحفاده يقدمون الدماء والأرواح في وجه الاحتلال الإسرائيلي.
وتتمة هذا القاسم المشترك أن أحفاد الخونة المتعاملين مع الفرنسي يكملون مسيرة أجدادهم في مسيرة العمالة للعدو الإسرائيلي ولأي محتل آخر.
أما وجه الشبه مع أسلافهم، فهو فقدان الشرف والكرامة، وغضّ النظر عن الأعراض طالما المال والسلطة متوفران.
منذ خمسين عامًا، والعدو الإسرائيلي يجهد لتحقيق حلمه بوطنه الكبير من البحر إلى النهر.
خمسون عامًا مرّت، وفيها أكثر من عشر حروب، في كل مرة كان يزداد الثمن فيها عمّا سبقها تدميرًا وقتلًا.
وللتذكير بتواريخ الحروب:
1972 - 1978 - 1982 - 1986 - 1993 - 1996 - 2000 - 2006 - 2024 - 2026.
كل هذه الحروب كنّا ندفع فيها أثمانًا من أرزاقنا وأرواحنا، من دمنا وشبابنا، والغاية حماية وطن وبقاؤه على قيد الخريطة.
ووصولًا إلى آخر الحروب، العام الماضي والحالي، كان حجم الدمار مهولًا، وعدد الشهداء تجاوز العشرة آلاف في الحربين.
شهداء عائلة بأكملها، وشهداء أخوين وثلاثة إخوة وأربعة وخمسة.
شهداء لم يبقَ في البيت شباب.
شهداء الابن والأبناء.
شهداء من أجمل الوجوه، في عمر الورود.
شهداء من أصحاب الاختصاصات؛ عشرات الأطباء وعشرات المهندسين والمحامين و...
وشهداء من أصحاب المال ورجال الأعمال.
خسر الوطن أبناءه من كل الفئات، ومن أنبل طاقاته.
وكل هذا الدم يقابل بأشباه بشر، وحوش على شاكلة أنس.
لا إحساس ولا إنسانية.
قتلة بصفة إعلاميين يعطون العدو إحداثيات لارتكاب المجازر.
يشمتون ويستهزئون، لا بل يستعجلون العدو لقتلنا، ويصرخون على شاشات العهر الإعلامي مهددين بطردنا وتهجيرنا وسحب جنسية قذرة على شاكلة وجوههم.
قذرة ملوثة لا تشرّف لأنكم حملتموها.
واليوم تُخاض أمّ المعارك مع العدو.
لا نملك أدنى شك أن النصر آتٍ، ونقسم على ذلك.
ولكن هذه الحرب يجب أن تكون عادلة.
وبعيدًا عن ثقتنا بالنصر، لكم أن نموت ولا يبقى منا من يخبر عنا، ولكن اعلموا أنكم في الأثر.
أما إن صحّ ما نقول، وتحقّق النصر، فهذا يحتم عدم الوقوع في أخطاء الماضي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من خسائر في الأملاك والأرزاق، وتضحيات في أجمل وأنبل شبابنا.
يجب ألّا يتكرر الماضي، فكل من ساعد وروّج وهلّل للعدو وشمت بضحاياه، يُعتبر بالقانون خائنًا، والإعدام قتلًا هو القصاص وفق أحكام القانون.
من أكبر فخامة الرأس إلى أسفل القدم، من الذباب الإلكتروني ومشتقاته.
آن الأوان لبناء وطن خالٍ من العملاء، حتى ولو كانوا رجال دين دجالين.
وبناء وطن خالٍ من الفاسدين، لأنهم توأم روح الخونة والعملاء، لا دين لهم.
آن الأوان لبناء وطن الشرفاء، من الشيعي حسن نصر الله إلى السني سليم الحص، والماروني إميل لحود، والأرثوذكسي أنطون سعادة، والدرزي سمير القنطار، ولكل الطوائف وأشرافها.