كتب: موسى عبّاس
فِي الوَقْتِ الَّذِي تُسَوَّى فِيهِ مَنَازِلُ الجَنُوبِ وَالبِقَاعِ بِالأَرْضِ فَوْقَ رُؤُوسِ سَاكِنِيهَا، وَتُحْرَقُ أَجْسَادُ الأَطْفَالِ تَحْتَ الأَنْقَاضِ، وَيُمْنَعُ الدِّفَاعُ المَدَنِيُّ وَجَمْعِيَّاتُ الإِغَاثَةِ، بَلْ حَتَّى الصَّلِيبُ الأَحْمَرُ، مِنْ سَحْبِ الجُثَثِ وَإِنْقَاذِ مَنْ بَقِيَ فِيهِ رَمَقٌ، يُطِلُّ مَشْهَدٌ يَخْتَزِلُ الطَّعْنَةَ العَمِيقَةَ فِي خَاصِرَةِ هَذَا الوَطَن.
وَفْدٌ لِبْنَانِيٌّ رَسْمِيٌّ يَتَنَاوَلُ الطَّعَامَ وَيَتَبَادَلُ الأَنْخَابَ مَعَ قَادَةِ كِيَانِ الِاحْتِلَالِ الإِرْهَابِيِّ فِي أَرْوِقَةِ وَاشِنْطُن، مُحْتَفِلِينَ بِاتِّفَاقَاتِ الإِذْعَانِ وَتَصْفِيَةِ عَنَاصِرِ القُوَّةِ تَحْتَ مُسَمَّيَاتِ "المَنَاطِقِ العَازِلَةِ" وَ"التَّسْوِيَاتِ السِّلْمِيَّة".
هَذَا لَيْسَ عَجْزًا سِيَاسِيًّا، وَلَا سُوءَ تَقْدِيرٍ دِبْلُومَاسِيّ. هَذَا تَوَاطُؤٌ مُكْتَمِلُ الأَرْكَانِ، وَتَكَافُلٌ إِجْرَامِيٌّ بَيْنَ سُلْطَةٍ خَانَتْ قَسَمَ الدُّسْتُورِ وَوَاجِبَ حِمَايَةِ المُوَاطِنِين، وَبَيْنَ عِصَابَاتِ جَيْشِ الِاحْتِلَالِ الَّتِي تَنْهَبُ مَنَازِلَ أَهْلِ الجَنُوبِ وَتَسْرِقُ مُقْتَنَيَاتِهِمْ قَبْلَ نَسْفِهَا وَتَسْوِيَتِهَا بِالأَرْض. وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي بِرِعَايَةِ الدَّوْلَةِ الأَكْثَرِ إِجْرَامًا فِي العَالَم، صَانِعَةِ الإِرْهَابِ وَرَاعِيَتِهِ وَحَامِيَتِهِ.
إِنَّ هَذَا المَشْهَدَ السِّرْيَالِيَّ المُقْزِزَ لَا يَتْرُكُ مَجَالًا لِلشَّكِّ بِأَنَّنَا أَمَامَ سُلْطَةٍ تَابِعَةٍ، مَسْلُوبَةِ الإِرَادَةِ، فُرِضَتْ بِقَرَارَاتٍ وَإِمْلَاءَاتٍ أَمْرِيكِيَّة. سُلْطَةٌ يَتَرَأَّسُهَا أَشْخَاصٌ يَفْتَقِرُونَ إِلَى الحَدِّ الأَدْنَى مِنَ الحِسِّ الوَطَنِيّ، غَافِلُونَ أَوْ مُتَغَافِلُونَ عَنْ مَعْنَى الكَرَامَةِ الوَطَنِيَّة.
كَيْفَ اسْتَسَغْتُمْ طَعَامَكُمْ وَهُوَ مَجْبُولٌ بِدِمَاءِ أَشْلَاءِ الطُّفُولَة؟
كَيْفَ تَبَادَلْتُمُ الأَنْخَابَ وَالجَنُوبُ وَالبِقَاعُ يَنْزِفَانِ دَمًا يُطَهِّرُ عَارَ تَخَاذُلِكُمْ؟
إِنَّكُمْ لَا تَتَفَاوَضُونَ. أَنْتُمْ تَتَآمَرُونَ خَلْفَ الكَوَالِيسِ عَلَى شُرَكَائِكُمْ فِي الوَطَن، وَتُشَارِكُونَ فِي جَرِيمَةِ حَرْبٍ مُكْتَمِلَةِ الأَرْكَانِ ضِدَّ شَعْبِكُمْ.
وَلَا يَقِفُ التَّآمُرُ عِنْدَ غُرَفِ المُفَاوَضَاتِ المُكَيَّفَةِ فِي "بَيْتِ الشَّيْطَان"، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى جَبْهَةِ الحَرْبِ الإِعْلَامِيَّةِ فِي الدَّاخِل. فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يُبَادُ فِيهِ أَهْلُنَا، تُطَالِعُنَا وَسَائِلُ إِعْلَامٍ مَحَلِّيَّةٌ مَشْبُوهَةٌ تُمَارِسُ التَّوْرِيَةَ وَالتَّلْطِيفَ لِجَرَائِمِ العَدُوّ، فَتُحَوِّلُ "الِاعْتِدَاءَ السَّافِرَ وَالغَارَاتِ الغَاشِمَةَ" إِلَى مُجَرَّدِ "اسْتِهْدَافَاتٍ" مُحَايِدَة، وَتَلْجَأُ بِوَقَاحَةٍ إِلَى قَلْبِ الحَقَائِقِ وَتَحْمِيلِ الضَّحِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةَ الدَّمَار. هَذَا التَّدْلِيسُ وَالانْحِيَازُ المَعِيبُ لِلسَّفَّاحِينَ يَكْشِفُ عَنْ خَلَايَا وَمَنَابِرَ تَفَانَتْ فِي خِدْمَةِ النَّظَرِيَّةِ العُنْصُرِيَّةِ وَالاسْتِعْلَائِيَّةِ لِلْعَدُوِّ بِكُلِّ فَخْرٍ وَسُرُور.
وَفِي سِيَاقٍ مُتَّصِل، تَخْرُجُ طُفَيْلِيَّاتُ الإِعْلَامِ المُرْتَبِطِ بِالشَّبَكَاتِ المَشْبُوهَة، لِتَسْتَغِلَّ وَجَعَ أَهْلِنَا النَّازِحِينَ وَتُصَفِّيَ الحِسَابَاتِ السِّيَاسِيَّةَ عَلَى حِسَابِ كَرَامَتِهِمْ. إِنَّ مَهْزَلَةَ تَرْحِيلِ العَائِلَاتِ مِنْ مَرَاكِزِ الإِيوَاءِ إِلَى خِيَمٍ تَفْتَقِرُ لِأَدْنَى مُقَوِّمَاتِ الحَيَاة، وَالمُطَالَبَةَ بِإِخْضَاعِهِمْ لِقَوَانِينَ تَعَسُّفِيَّةٍ أَشْبَهِ بِالسُّجُون، هِيَ جُزْءٌ مِنْ مَشْرُوعٍ مُبَرْمَجٍ لِكَسْرِ إِرَادَةِ هَذِهِ البِيئَةِ الحَاضِنَةِ وَتَجْوِيعِهَا.
وَلِلَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَيْنَا بِنَظَرِيَّاتٍ وَاهِيَةٍ تَزْعُمُ أَنَّ "الحُبَّ وَالضَّمِيرَ الصَّادِقَ" هُمَا مَا يَحْمِيَانِ الأَوْطَانَ وَلَيْسَ السِّلَاح، نَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ غَارَاتِ الحُبِّ العَنِيفَةَ لَنْ تُوقِفَ طَائِرَاتِ نَتَنْيَاهُو، وَالضَّمَائِرَ المُسْتَتِرَةَ لَنْ تَرْدَعَ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ اليُونَيفِيلَ وَالجَيْشَ اللِّبْنَانِيَّ وَالمَبَانِيَ السَّكَنِيَّة. الأَرْضُ لَا تَحْمِيهَا إِلَّا السَّوَاعِد، وَالسِّيَادَةُ لَا تُسْتَجْدَى بَلْ تُنْتَزَعُ انْتِزَاعًا.
إِنَّ التَّارِيخَ يُعِيدُ نَفْسَهُ. وَإِذَا ظَنَّ أَهْلُ السُّلْطَةِ وَأَدَوَاتُهُمُ الإِعْلَامِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ أَنَّ هَذَا الشَّعْبَ سَيَسْكُتُ أَوْ يَتَنَازَلُ عَنْ حَقِّهِ فِي الحَيَاةِ الكَرِيمَةِ، فَهُمْ وَاهِمُونَ. كَمَا أُسْقِطَ اتِّفَاقُ 17 أَيَّارَ المَشْؤُوم، فَإِنَّ "طُوفَانَ الأَرْزِ" سَيُبَدِّدُ هَذِهِ المُؤَامَرَات. سَيَبْقَى الجَنُوبُ وَالبِقَاعُ وَمَعَاقِلُ الأَحْرَارِ حَالَةَ كَرَامَةٍ وَنَشِيدًا لِلصَّبْرِ لَا يَفْهَمُهُ العَبِيد، وَسَيَرْحَلُ المُتَآمِرُونَ وَيَبْقَى الوَطَنُ لِأَصْحَابِ الحَقِّ وَالأَرْض.
وَمَوْعِدُنَا الشِّتَاءُ الآتِي لِيُثْبِتَ أَنَّ نُورَ الإِيمَانِ وَالحَقِّ أَقْوَى مِنْ ظُلُمَاتِ خِيَانَتِكُمْ.