“هنا الجنوب… أمٌّ تشبه كربلاء
مقالات
“هنا الجنوب… أمٌّ تشبه كربلاء
عباس المعلم
21 آذار 2026 , 23:24 م


في عيد الأم..

لا نكتب تهنئة، بل نكتب وجعًا يليق بمقام الأم،

فالأم ليست كلمة تُقال، بل سرٌّ يُعاش،

هي الرحم الذي لم يكن جسدًا فقط، بل حضرةً من الرحمة،

نخرج منه لا كمواليد، بل كأرواحٍ مختومةٍ بحبٍّ لا يزول.

الأم…

هي الدعاء قبل أن نرفع أيدينا،

والدواء قبل أن نمرض،

هي الفجر إذا تأخر الضوء،

والليل إذا اشتدّ التعب،

هي القبلة التي لا نضلّ طريقها،

ولو ضاعت الجهات كلّها.

هي الرائحة…

حين يتيه العالم،

هي الخبز الدافئ،

واليد التي تعجن العمر صبرًا،

فتصير أيامنا أقل قسوة،

وأكثر احتمالًا.

لكن…

أيّ أمٍّ نعايد اليوم؟

وأيّ قلبٍ نواسي…

في زمنٍ صار فيه الفقد لغةً يومية؟

في هذا العام…

وفي كل عام،

أمّنا ليست امرأةً واحدة،

بل أرضٌ تنبض كقلبٍ مصلوبٍ بين السماء والأرض…

هي جنوب لبنان

هذا الجنوب الذي يشبه كربلاء في وجعه وثباته،

وفي صبره الذي يشبه صبر الحسين بن علي ع حين وقف وحيدًا… ولم ينكسر.

من ترابه خرجنا،

لكننا لم نخرج منه،

هو الذي يسكننا كما تسكن الأم في نبض طفلها،

هو الذي علّمنا أن الكرامة ليست شعارًا… بل دم.

له زيتونه… كسبحةٍ خضراء في يد الأرض،

وزعتره… كذكرٍ لا ينقطع،

هواؤه… كطهارةٍ تمشي،

برده امتحان،

ودفؤه حضن.

فيه القمح لا ينمو فقط… بل يشهد،

والتبغ لا يُزرع فقط… بل ينحني كعابدٍ في محراب التعب،

وفي جباله سرّ السماء،

وفي بساتينه ذاكرة لا تموت.

في الجنوب…

كل شهيدٍ هو حكاية أمٍّ مكسورة لا تنكسر،

كل جريحٍ مرآة وجع،

كل أسير صلاةٌ معلّقة بين الأرض والسماء،

وكل دمعة… كربلاء جديدة.

هناك…

الأمهات لا يبكين فقط،

بل يقدّمن أبناءهنّ قربانًا للحياة،

يودّعنهم بقلوبٍ تعرف الحقيقة…

وترفض أن تنحني.

الجنوب…

ليس أرضًا فقط،

بل قدر،

ليس مكانًا… بل عقيدة صبرٍ ووجع.

هو أمّنا… حين نضيع،

وأبانا… حين نقف،

هو دمنا ولحمنا وعظمنا،

هو الحكاية التي كتبتها السماء على ترابٍ لم يخضع.

فيه…

نرى وجه الله في عيون الأمهات،

في صبر الرجال،

في لعب الأطفال بين الركام،

في دعاءٍ يخرج من قلبٍ مكسور… ولا ينكسر.

هنا الجنوب…

من قبل… ومن بعد،

هنا تُكتب الحكاية بالدم،

وتُروى بالدمع،

وتُحفَظ في ذاكرة الأرض.

وهنا فقط…

نخلع نعالنا،

لا تواضعًا… بل رهبة،

لأننا نمشي على أرضٍ تعرف أسماء شهدائها،

وتحفظ وجوه أمهاتهم،

وتهمس لكل عابر ..

مرّ برفق…

فهنا… كربلاء لا تزال حيّة.

عباس المعلم " ابن الجنوب "

مقال رقم -٣

من بيتان إلى بيروت ..دروس الخيانة التي لا تُنسى ..!

بقلم ( عباس المعلم )