*الوحدة اليمنية.. مشروعُ شعبٍ في مواجهةِ التقسيم والوصاية
مقالات
*الوحدة اليمنية.. مشروعُ شعبٍ في مواجهةِ التقسيم والوصاية
عبدالله علي هاشم الذارحي
22 أيار 2026 , 19:12 م

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي

في الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، جاءت كلمة الرئيس مهدي المشاط لتؤكد أن الوحدة لم تعد مجرد مناسبة وطنية تُستحضر في الخطابات والاحتفالات، إنما عنوانًا لمعركة الوجود والسيادة والاستقلال، ومشروعًا شعبيًا يتعرض منذ عقود لمحاولات الاستهداف والتفكيك من قوى الهيمنة والوصاية وأدواتها المحلية.

الكلمة حملت أبعادًا سياسية ووطنية وقومية عميقة، وربطت بين الماضي والحاضر، بين جريمة الالتفاف على الوحدة بعد حرب صيف 94م، وبين العدوان الأمريكي السعودي الذي سعى ولا يزال إلى تمزيق اليمن وإعادة إنتاج مشاريع الأقاليم والتقسيم والاحتلال تحت عناوين مختلفة.

لقد أعاد المشاط التذكير بحقيقة غابت أو جرى تغييبها عمدًا، وهي أن الوحدة اليمنية لم تكن منحة من نظام أو حزب أو نخبة، لكنها ثمرة نضال وإرادة شعب كامل، وأن أي تشويه طال هذا المنجز إنما جاء نتيجة ممارسات النظام السابق الذي حوّل الوحدة كما قال من “شراكة وطنية”

إلى“غنيمة وفيد”ومن مشروع نهضوي جامع إلى وسيلة للإقصاء والنهب والاستبداد.

وهنا تكمن أهمية الخطاب؛ إذ إنه فصل بوضوح بين الوحدة كمبدأ وطني مقدس، وبين التجارب السياسية الفاشلة التي أساءت إليها. فالوحدة – كما أكد المشاط – بريئة من جرائم الفساد والهيمنة، وبريئة من القوى التي بنت نفوذها وثرواتها على حساب الشعب والوطن.

ولأن اللحظة الراهنة هي لحظة صراع مصيري، فقد ربطت الكلمة بين الحفاظ على الوحدة وبين مواجهة العدوان الخارجي، مؤكدة أن الحرب على اليمن منذ عام 2015م لم تكن سوى محاولة منظمة لتفكيك الجغرافيا اليمنية ونهب الثروات والسيطرة على القرار الوطني المستقل.

ومن هنا جاءت الرسالة الحاسمة بأن الدفاع عن الوحدة ليس شأنًا سياسيًا يخص فئة دون أخرى، لكنه جزء أصيل من المعركة الوطنية الكبرى ضد مشاريع التفتيت والتبعية والاحتلال.

كما حملت الكلمة دعوة صريحة لإنصاف القضية الجنوبية العادلة بعيدًا عن الابتزاز الحزبي والمشاريع الخارجية، والتأسيس لوحدة قائمة على العدل والشراكة والكرامة الوطنية، لا على الإقصاء والاستحواذ.

وهي رسالة تعكس إدراكًا بأن حماية الوحدة لا تكون بالقوة المجردة، بل ببناء دولة عادلة تحفظ حقوق الجميع وتصون كرامتهم.

وفي البعد القومي والإسلامي، تجاوز خطاب المشاط حدود الجغرافيا اليمنية، ليربط بين ما يجري في اليمن وفلسطين ولبنان وإيران والعراق ضمن معركة واحدة مع المشروع الصهيوأمريكي الذي بات – بحسب وصفه – يعلن أهدافه علنًا تحت شعار“إسرائيل الكبرى”.

ولعل من أبرز ما في الكلمة تأكيدها أن تلاحم الشعب اليمني مع قواته المسلحة في إسناد غزة منذ انطلاق“طوفان الأقصى”أثبت أن اليمن، رغم الحصار والجراح، لا يزال حاضرًا في قلب معركة الأمة، وأن شعبه يمتلك من الوعي والإيمان ما يجعله عصيًا على مشاريع التدجين والانكسار.

كما حملت الرسائل المتعلقة بإيران دلالات سياسية لافتة، خصوصًا في ظل التصعيد الإقليمي الراهن، إذ اعتبر المشاط أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران يستهدف إزالة“العقبة الكبرى”أمام المشروع الصهيوني، داعيًا شعوب الأمة وحكوماتها إلى رص الصفوف وعدم التحول إلى أدوات بيد العدو.

وفي الوقت الذي دعا فيه إلى وقف النزاعات الداخلية وتوحيد الموقف العربي والإسلامي، وجّه تحذيرات شديدة اللهجة للحكومات التي تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها في العدوان على شعوب المنطقة، مؤكدًا أن“الحياد اليوم خيانة”، وأن التسهيلات المقدمة للعدو تمثل “الخيانة العظمى”.

أما الرسالة الأوضح في الخطاب، فكانت التأكيد بأن اليمن، قيادةً وشعبًا، ماضٍ في معركة التحرر والسيادة حتى تحرير آخر شبر من أراضيه، والاستعداد لمواجهة أي عدوان أمريكي أو صهيوني قادم، بالتوازي مع استمرار الدعم الثابت لفلسطين ولبنان وكل قوى المقاومة.

لقد جاءت كلمة المشاط بمثابة إعلان سياسي ووطني شامل، يعيد تعريف الوحدة اليمنية بوصفها مشروع استقلال وسيادة وعدالة، لا مجرد اتفاق سياسي عابر. وحدةٌ تُبنى على التلاحم الشعبي، وعلى مواجهة الهيمنة الخارجية، وعلى استعادة الهوية الجامعة لليمنيين بعيدًا عن مشاريع التمزق والكراهية.

وفي زمنٍ تتساقط فيه عواصم وتُباع فيه المواقف، يصرّ اليمن رغم العدوان والحصار أن يبقى واقفًا في خندق الأمة، حاملًا راية الوحدة والكرامة والحرية، ومؤكدًا أن الشعوب الحية لا تموت، وأن الأوطان التي تتكئ على إرادة أبنائها لا يمكن أن تُكسر.