ما قد لا تعرفه عن الفيلسوف ادغار موران
مقالات
ما قد لا تعرفه عن الفيلسوف ادغار موران

طالبة ماجستير قانون عام – كلية الحقوق جامعة السلطان قابوس

في مساء يوم الجمعة الموافق ل29 مايو 2026، في باريس، رحل عنا الفيسلوف الفرنسي ادغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام. إن الذي يميز موران عن غيره هو أنه متحرر من أطر المركزية الأوروبية البيضاء باعتباره ناقدا للحداثة والاستعمار الذين نزعا صفة الإنسانية عن بقية الشعوب وكرسا للمركزية الابستيمولوجية الغربية والتي زادت وطأتها بشكل أكبر مع العولمة. إذ ما نسميه "العولمة" ليس في حقيقته سوى "الغربنة"، إذ لم نشهد في هذا العالم عولمة أي قيم غير تلك القيم والمعارف الغربية، ولا معارف أخرى غير تلك الغربية، ولا ممارسات غير غربية، فأين العولمة إذن؟ لأجل ذلك كان الأدق أن تُسمّى "الغربنة"؛ أي جعل الإنسان الغربي نموذجًا لبقية العالم في كل مجالاته، ولذلك يقول الفيلسوف الفرنسي بورديو: "كل القيم الكونية هي في حقيقة الأمر قيم خاصة تم إضفاء الكونية عليها". فالفكر والمعارف الغربية مازالت مهيمنة حتى بعد الانتهاء من الاستعمار في أواسط القرن الماضي. وكما أظهر المفكر والطبيب المناهض للاستعمار فرانز فانون كيف أن الاستعمار والعنصرية سببا أذى عميقاً عبر “سوء الاعتراف” بالآخر بوصفه أدنى إنسانياً. فالعلاقة بين المستعمر والمستعمَر ليست مجرد علاقة سياسية، بل هي صراع اعتراف قائم على “الآخرنة” وحبس المستعمَر في تلك الصورة التي أراد له المستعمر أن يكونها. هذا يحيلنا لأهمية فلسفة ادغار موران القائمة على ما يسميه هو بال"تفكير المركب" والذي يعد سلاح لمحاربة الهيمنة المعرفية الغربية ومركزيتها ودعمه لتعدد المعارف ولامركزيتها. إذ يؤمن بأن التخصصات الأكاديمية يجب أن تتلاقى وتتجه نحو التركيب والتكامل. وقد قال ذات مرة في مقابلة تلفزيونية: "لم أفهم يومًا لماذا يجب أن تبقى كل هذه المعارف معزولة عن بعضها البعض" فهو يرفض التخصص والفصل بين العلوم ولذلك لطالما تم وصفه بالعالم الموسوعي المؤرخ والفيلسوف والسينمائي فهو شبيه جدا بحال العلماء المسلمين الذين كانوا موسوعيين ويجمعون بين عدة معارف ومجالات ويربطون بينها. إضافة إلى اهتمامه الكبير بقضايا البيئة فنجده ناقدا شرسا للحداثة الغربية وللفكر الانسانوي الذي يقوم على مركزية الانسان التي يراها بمثابة دين جديد أحلت الانسان محل الاله وجعلته مهيأ للسيطرة على الطبيعة. إن هذه الانسانوية بالنسبة لادغار موران تقوم على معيار أن الإنسان هو مقياس كل الأشياء، ومصدر جميع القيم، وهو ذروة التطور. وهو يقف باعتباره «ذات العالم»، ولأن العالم يبدو له موضوعاً مؤلفاً من موضوعات أخرى، فإنه يرى نفسه سيداً للكون، وله حق غير محدود في استخدام كل شيء كما يشاء. ويستند في شرعية تمركزه حول ذاته إلى أسطورة عقله (بوصفه الإنسان العاقل)، وإلى قدرات تقنياته، وإلى احتكاره للذاتية والوعي. وهذا هو الشكل من الإنسانية الذي يجب أن يختفي. فلا ينبغي أن يكون هناك مزيد من تمجيد الرؤية الهمجية والمدمرة والحمقاء للإنسان بوصفه مكتفياً بذاته، فوق الطبيعة، ومركز العالم، وقمة التطور. ويدعونا موران إلى تبنى نوع آخر من الإنسانية التي تجعل من الانسان متكاملا مع محيطه وبيئته لا متعاليا عليه خاصة وأنه جزء من نظام بيئي معقد وبالتالي فناء البيئة من فناء الانسان. ويقول بأن رؤيته للإنسانية لا تحمل فقط شعور التضامن البشري، بل أيضاً الإحساس بأننا نعيش داخل مغامرة مجهولة ومذهلة، والرغبة في استمرارها نحو تحول يلد مستقبلاً جديداً. وفي هذا السياق وفي إطار التضامن الإنساني كان موران مدافعا على قضايا العرب الإنسانية ويدعو العرب إلى انهاء الاستعمار الفكري والاقتصادي وذلك بعد تخلصهم من الاستعمار في شاكلته السياسية. وباعتباره يهوديا سفارديا من أصول مهاجرة من اليونان لم يك موران متعصبا أو غافلا عن معاناة الشعب الفلسطيني، بل كان رافضا لاستغلال مأساة يهود أوروبا في القرن العاشرين واتخاذها مطية لتبرير الإبادة والاحتلال الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني ويعبر عن ذلك في إحدى مقالاته في جريدة لوموند الفرنسية بأن "اليهود الذين كانوا ضحايا نظام لا يرحم يفرضون نظامهم الذي لا يرحم على الفلسطينيين. اليهود ضحايا اللاإنسانية يظهرون لاإنسانية رهيبة".