انتهت الحرب، وما تبقّى هو هندسة هزيمة أمريكا وإسرائيل وأيتامهما دولًا وأفرادًا.‎
مقالات
انتهت الحرب، وما تبقّى هو هندسة هزيمة أمريكا وإسرائيل وأيتامهما دولًا وأفرادًا.‎
حسن علي طه
22 آذار 2026 , 19:16 م


كتب حسن علي طه.

لن تكون نتائج الحرب الأخيرة التي شنّتها أمريكا وإسرائيل، ومعهما لفيف من دول الخليج العربي، نتائج عادية، بل ستكون نتائج تعيد ترتيب أولويات العالم وتوازناته.

أولى هذه النتائج تراجع النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي، بما يفتح الباب أمام انكفاء تدريجي عن الشرق الأوسط، وحتى إن بقي لها حضور، فلن يكون كما كان، بل سيكون محدود التأثير وهامشي الدور.

وعليه، فإن دول الخليج العربي ستجد نفسها أمام واقع جديد، بعد أن اعتادت لعقود على مظلة حماية أمريكية شكّلت ركيزة استقرارها. تلك الحماية التي قامت على معادلة واضحة: استنزاف خيرات المنطقة وتفتيت مقدراتها، مقابل تثبيت أنظمة هشة، كإمارات من زجاج وممالك من ورق.

حرب دارت رحاها في محيطهم، فيما بدت جيوشهم عاجزة عن الفعل، لا تملك إلا المنابر الإعلامية لتزوير الحقائق وبث السموم وإشعال الفتن عبر قنوات مثل الجزيرة والعربية والحدث.

انتهت الحرب، ولن تكون دول الخليج كما كانت.

من الإمارات التي تحوّلت إلى نسخة ثانية عن كيان اسرائيل ،

إلى البحرين التي اهتزّ استقرارها مع تعرّض شريانها الحيوي مع السعودية، جسر الملك فهد، للتدمير،

وصولًا إلى قطر التي وُصفها يومًا عبدالناصر بأنها “نخلتان وخيمة”.

هذا الفراغ الناتج عن تراجع الدور الأمريكي سيمنح إيران موقعًا متقدمًا في معادلة الخليج، في ظل فقدان الأهلية السياسية لدى قيادات اعتادت الاتكال على الخارج بدل بناء القوة الذاتية.

أما النتيجة الثانية، فتتمثل في إبعاد شبح المواجهة عن الصين، التي كانت لتكون الهدف التالي لو نجح المشروع الأمريكي في إخضاع إيران وإحكام السيطرة على المنطقة.

ومن بين أبرز مخرجات الحرب أيضًا، بروز تحوّل في العقيدة القتالية العالمية؛ إذ يتراجع دور حاملات الطائرات حد الغياب كأداة حاسمة، مقابل صعود القوة الصاروخية التي أثبتت فعاليتها في الردع والحماية.

أما أخطر التداعيات، فستطال كيان العدو الإسرائيلي، الذي حاول خلال العامين الماضيين ترسيخ وقائع جديدة تمهّد لإحياء حلم “إسرائيل الكبرى”، لكنه فشل في تثبيت إنجازاته على الأرض.

وفي هذا السياق، جاء دخول المقاومة في لبنان إلى المعركة بتوقيت بالغ الدقة، مستفيدًا من تشتّت العدو في جبهته مع إيران، ليُعيد خلط الأوراق ويفرض معادلات جديدة.

فمن حلم التوسع من الفرات إلى النيل ، انتقل المشهد إلى هاجس الانهيار، وإلى استحضار عقدة الثمانين عامًا التي تلاحق هذا الكيان، مع اقتراب استحقاقها التاريخي خلال سنوات قليلة.

وهاجس الخراب الثالث.

لقد كان دخول المقاومة مفاجئًا وصادمًا؛ فما إن وصلت صواريخها إلى عمق مواقع العدو، حتى ارتبك الداخل، وعمّ الذهول أوساط من اعتادوا إدارة المشهد من خلف المكاتب والقصور.

صواريخ لم تكن مجرد سلاح، بل كانت إعلانًا عن نهاية مرحلة من النفاق السياسي والعهود الكاذبة.

ومع اشتداد المواجهة، سقطت أقنعة أيتام أمريكا وإسرائيل في لبنان، فتداعوا إلى اجتماعات أشبه بمجالس عزاء، ولم يجدوا سوى قرار يجرّم المقاومة ويصنّفها خارج القانون، في خطوة ستبقى وصمة عار على جبين كل من شارك فيها، باعتبارها طعنة في ظهر الوطن في لحظة مواجهة مع العدو.

إنه قرار فرز حقيقي، يفصل بين الشرفاء والخونة.

وفي موازاة ذلك، شهدت الساحة إجراءات قمعية طالت المقاومين، ومحاولات لإعادة إنتاج مشهد الهيمنة السياسية على حساب الحق الوطني، وكأن المطلوب تحويل الجيش اللبناني إلى أداة لحماية العدو بدل حماية الوطن.

لكن الواقع سرعان ما انقلب.

فالمقاومة التي ظنّ البعض أنها أُضعفت أو أُنهكت، عادت أكثر حضورًا، واستعاد بواسلها زمام المبادرة، حاملين معهم روح العزّة التي لم تنكسر.

أما السلطة، فلم تجد ما تفعله سوى ممارسات محدودة: تضييق هنا، واعتقال إعلامي هناك، ومحاولات عبثية لاحتواء واقع يتجاوزها.

انتهت اللعبة، لكن الدرس لم ينتهِ.

فالعبرة كل العبرة في عدم تكرار أخطاء الماضي.

وإذا كان النصر قد أصبح قاب قوسين أو أدنى، فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن:

حماية دماء الشهداء من الاستثمار السياسي،

ومنع الفاسدين من التسلّق على تضحيات الأمة،

والانطلاق نحو بناء دولة حقيقية، وطنٍ لا مكان فيه لتجّار الدم ولا لمصّاصي دماء وتضحيات الشهداء.