بقلم: موسى عبّاس
في قراءة بسيطة لمن يملك "بصيرة" سياسية، يبدو المشهد العالمي اليوم وكأنه فصل من فصول تراجيديا إمبراطورية توشك على الأفول. حين يُصدر المهزوم استراتيجياً إنذاراً نهائياً، فهو لا يُهدد بقدر ما يعترف بهزيمته.
ترامب، الذي وعد العالم قبل أسابيع بحسم المعركة في "72 ساعة"، يخرج اليوم ليمدد مهلته من 48 ساعة إلى 5 أيام، في "استجداء مُقنع" وذعر مُغلف بالوعيد.
فضيحة الإنذار:
القوي يضرب ولا يُنذر
إن التمديد الأخير للمهلة ليس مجرد تغيير في الجدول الزمني، بل هو "فضيحة استراتيجية". أمريكا التي دمرت دولاً دون إنذار، تُعطي إيران اليوم 5 أيام لفتح مضيق هرمز تحت تهديد تدمير محطات الطاقة. هذا السلوك يعكس ثلاث حقائق قاتلة يدركها ترامب وفريقه المنقسم:
1. استحالة الحسم:
ضرب محطات الطاقة الإيرانية لن يفتح هرمز، بل سيغلقه للأبد، وسيحرق معه محطات الطاقة والتحلية في الخليج بأكمله.
2. كابوس النفط:
القفزة التي شهدها النفط وصولاً لـ 115 دولاراً هي مجرد "إحماء"؛ فأي رصاصة تُطلق ستدفع البرميل نحو حاجز الـ 300 دولار، مما يعني "الإعدام الاقتصادي" للغرب.
3. الخديعة السياسية:
غطرسة "المهلة" وذعر "الانهيار":
ترامب يبيع العالم وهماً.
ادعاء ترامب وجود "محادثات جيدة" مع طهران هو محض "خديعة" لتهدئة الأسواق المذعورة، وهو ما نفته طهران جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن "المهلة" هي نافذة إنقاذ لترامب لا لها.
المعادلة الميدانية: "نور وقادر" في مواجهة النووي.
بينما ترسو الغواصة البريطانية النووية في بحر العرب كـ "هدف عائم"، تبدو القوة التقليدية لمحور المقاومة هي الحاكم الفعلي للميدان. صواريخ "نور" و"قادر" وطوربيدات "فجر" الإيرانية، جنباً إلى جنب مع مسيّرات اليمن التي وصلت لمدى 4000 كم وصواريخ حزب الله الدقيقة، جعلت من "ديمونا" كابوساً صهيونياً ومن القواعد الأمريكية أهدافاً مكشوفة. لقد انهارت الأسطورة؛ فالقبة الحديدية لم تعد تحمي سماء الكيان، والغواصات النووية باتت سجوناً تحت الماء أمام تكنولوجيا الصواريخ الذكية.
صِدام العقائد: "الشهادة" مقابل "البورصة".
تكمن المعضلة الكبرى للغرب في جهله بـ "العقيدة" التي تحرك هذا المحور. فبينما يقاتل ترامب من أجل أرقام البورصة ومصالح الشركات، يقاتل الإيرانيون وحلفاؤهم في لبنان واليمن من أجل "الوجود" بعقيدة "النصر أو الشهادة". الاستسلام ليس مفردة في قاموسهم، وأي مغامرة نووية من قبل واشنطن أو تل أبيب ستفجر "الورقة النووية" الإيرانية الجاهزة في جبال محصنة، مما سيحول المنطقة إلى شتاء نووي ينهي الهيمنة الغربية للأبد.
لماذا يُهدد من انهزم؟
ترامب اليوم يعاني من انقسام حاد في فريقه الأمني بين "صقور" مقامرين و"براغماتيين" يخشون الانهيار. وحزبه منقسم على نفسه وفي الغالب سيخسر الإنتخابات القادمة ،لذا وكما يرى محللون أمريكيون أن إنذاره الأخير هو اعتراف صريح بأن أمريكا فقدت السيطرة ، لذا هو يحاول الآن "النزول عن الشجرة" لِيحتفِظ بقليل ًمن كرامة، عبر اختراع مفاوضات وهمية وتمديد المُهل، لأنه أدرك أن خصمه لا يخشى الحرب، كما أنّ "الغريق لا يخشى البلل"، فكيف إذا كان هذا الخصم موقِن بالإنتصار الحتمي لأنّ في أركان عقيدته:"إن تنصروا الله يَنصركُم ويُثَبِت أقدامكم".
المشهد لا يحتاج لتحليل مُعقد: حين يُهدِد المهزوم بالوَيْلٍ والثبور، فهو يعلم يقيناً أنه يغرق في بحر الظُلُمات. والسؤال اليوم ليس:
هل سينفذ ترامب تهديده؟ بل: كيف سيبرر تراجعه القادم أمام عالم بدأ يدرك :
أن زمن "الإمبراطورية التي لا تُقهر" قد ولى إلى غير رجعة.