عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
تكشف تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، خللًا جوهريًا في مقاربة الدولة للعدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان.
فبدل وضع الاحتلال والخروقات اليومية في صلب النقاش، جرى تحويل البوصلة نحو سلاح المقاومة، وصولًا إلى إعلان “إسقاط حظر التفاوض مع إسرائيل”.
غير أن التفاوض في القانون والسياسة ليس إعلان نوايا، بل نتاج ميزان قوة وضمانات. أما التفاوض تحت النار، ومع عدو يرفض الانسحاب ويهدد بمنطقة عازلة، فهو عمليًا تفاوض على شروط الإذعان لا على تثبيت السيادة.
وتبرز هنا مفارقة قانونية-ميدانية لا يمكن القفز فوقها: عندما فاوضت الدولة اللبنانية إسرائيل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر، في ظل حكومة تصريف أعمال، لم يلتزم العدو بوقف إطلاق النار، بل استمرت الخروقات مع الحكومة الحالية لتتجاوز، خلال نحو 15 شهرًا، عتبة 15 ألف انتهاك وجريمة حرب، بين قصف وإغتيال أشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني وتدمير منشآت مدنية.
وفي المقابل، حين فاوضت المقاومة الإسلامية العدو عام 2006 في إطار تنفيذ القرار 1701، فُرضت المقاومة على العدو انسحابًا سريعًا خلال ساعات، وثَبَّتت وقف إطلاق النار لسنوات طويلة، قاربت 18 عامًا، مع خروقات محدودة لم تغيّر قواعد الاشتباك.
فهذه المقارنة ليست سياسية فقط، بل قانونية بامتياز: فالعبرة في النتائج الملزمة، لا في الشكل التفاوضي، ومن ينجح في فرض إلزام العدو، يحمي السيادة فعليًا، لا نظريًا.
وفي هذا السياق، يبدو إعلان “فتح باب التفاوض” من موقع الضعف قفزًا فوق الوقائع؛ فالدولة التي لم تتمكن من وقف الخروقات أو فرض تنفيذ تعهدات قائمة، كيف ستنتزع شروطًا جديدة؟ وأي مصداقية تفاوضية يمكن بناؤها في ظل إختلال فادح في موازين الردع؟
وعلى الصعيد الإقتصادي والسيادي، إتخذت الحكومة خطوات أثارت تساؤلات جدية، أبرزها وقف عمل شركتي الطيران الإيراني ومنع تزويدهما بالوقود، بما انعكس خسائر مباشرة على الدولة (ضريبة. على كل تذكرة سفر) وعلى اللبنانيين عائلات موظفي تلك الشركتين.
وبدلًا توظيف الأدوات القانونية و"الدبلوماسية، لردع الاعتداءات والحصار، بدت الأولوية وكأنها الانخراط في مسار تنفيذ إملاءات خارجية أمريكية بحذافيرها ، لا في حماية المصلحة الوطنية.كما حصل في جلستي 5 و7 آب وما أعلنته الحكومة في جلستيها دون م اربة أو خجل : إقرار" ورقة الأهداف الأمريكية".
وأما تحميل المقاومة مسؤولية النزوح، بربطه بعدد صواريخ محدودة، فيتجاهل أصل المشكلة: عدوان متواصل لأشهر طويلة، سقط فيه مئات الشهداء، وتضررت البنى التحتية ومقومات العيش.
ففي القانون الدولي، يُنسب الضرر أولًا إلى الفعل غير المشروع الأصلي، أي الاعتداء، لا إلى رد الفعل الدفاعي اللاحق عليه، خصوصًا حين تعجز الدولة عن القيام بواجبها في الحماية.
ودستوريًا، تلتزم السلطة بحماية السيادة والشعب؛ وعند الإخفاق، يبرز حق الدفاع كمسألة لا يمكن شطبها بخطاب سياسي.
فالقانون الدولي نفسه يقرّ بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان، ويربط المشروعية بوجود خطر فعلي ومتمادٍ.
وعليه، فإن أي قراءة مبتورة تُجرّم الفعل الدفاعي وتتغاضى عن أصل الإعتداء، تُفقِد الدولة توازنها القانوني قبل السياسي.
وفي موازاة ذلك، يطرح خطاب “رفض الابتزاز” سؤالًا بديهيًا: ماذا عن الابتزاز المعلن من العدو ومن داعميه؟
أين كان هذا الرفض حين طُرحت علنًا فكرة المنطقة العازلة، وحين استمرت الخروقات بلا رادع؟
وحين عبر نتنياهو عن تحقيق حلم إسرائيل الكبرى؟
إن الإنتقائية في تعريف الإبتزاز تُضعف موقع الدولة ولا تعززه.
خلاصة القول: من يفاوض بلا قوة، يفاوض على التنازل. والتجربة اللبنانية القريبة تثبت أن ما يفرضه ميزان الردع يثبت على الأرض، وما يُطلب من موقع الضعف يتبدد مع أول خرق.
فالسيادة لا تُصان بالتصريحات، بل بقدرة حقيقية على إلزام العدو؛ وهذه هي العقدة التي يتجاهلها الخطاب الرسمي.
وإن غدًا لناظره قريب
25 آذار/ مارس 2026