علي الوائلي
لطالما حلم راعي الإبل أن يؤسس إمبراطورية تنافس العالم، مستنداً إلى ما تجود به الصحراء من ثروات نفطية هائلة. رأى في تدفّق الذهب الأسود فرصةً تاريخية للانتقال من حياة البداوة إلى مصافّ الدول العظمى، فاندفع مسرعاً نحو بناء ناطحات السحاب، وتشييد المدن الحديثة، وإغراق الأسواق بالمشاريع الضخمة التي تلمع في العيون وتبهر الزائرين.
لكن خلف هذا المشهد الباذخ، كانت هناك حقيقة أكثر تعقيداً، وأشدّ هشاشة.
فقد ظنّ أن الطريق إلى الإمبراطورية يمرّ عبر المال وحده، وأن الثروة كفيلة بشراء المجد، وأن التحالف مع القوى الكبرى يمكن أن يصنع له مكانة بين الأمم. لذلك فتح ذراعيه لدولٍ بعيدة، ومنحها امتيازات واسعة، وسمح لها بإنشاء قواعد عسكرية على أرضه تحت شعار الحماية والشراكة الاستراتيجية.
كان يعتقد أن السلاح المتطور سيمنحه الهيبة، وأن الجيوش الأجنبية ستؤمّن له الاستقرار، وأن الأبراج العالية ستمنحه صورة الدولة القوية.
غير أن التاريخ علّمنا أن الإمبراطوريات لا تُبنى بالاستعارة، ولا تُصنع بالوكالة، ولا تُشترى بالمال.
فالقوة الحقيقية ليست في ما تملكه الدولة من ثروة، بل في ما تملكه من إرادة، وفي قدرتها على تحويل الموارد إلى مشروع حضاري متكامل.
لقد استورد ذلك الحاكم كل شيء:
استورد السلاح، فصار يعتمد على غيره في حماية حدوده.
واستورد التكنولوجيا، فصار عاجزاً عن تطويرها بنفسه.
واستورد الخبراء، فصار القرار مرهوناً بعقولٍ لا تنتمي إلى أرضه.
واستورد الأمن، فصار أمنه سلعة تُدفع أثمانها سنوياً.
لكنه نسي أن أهم ما يجب أن يُصنع محلياً هو الإنسان.
فالإنسان هو أساس الدولة، وهو حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي.
وعندما تُهمل الدولة تعليم شعبها، وتضعف مؤسساتها العلمية، وتستبدل العقول الوطنية بالخبرات المستوردة، فإنها تبني مجداً مؤقتاً لا يلبث أن ينهار عند أول اختبار حقيقي.
إن الإمبراطوريات الحقيقية تبدأ من المدرسة قبل أن تصل إلى القصر، ومن الجامعة قبل أن تصل إلى الثكنة العسكرية، ومن المختبر قبل أن تصل إلى ساحة المعركة.
أما الدولة التي تُنفق المليارات على شراء السلاح، ولا تستثمر في بناء العقل، فإنها تؤجّل سقوطها فقط، ولا تمنعه.
ولعل أخطر ما في هذه التجربة هو وهم الأمن المستعار.
فالدولة التي تربط أمنها بإرادة قوة خارجية، تصبح رهينة لسياساتها ومصالحها.
وإذا تغيّرت تلك المصالح، تغيّر معها مستوى الحماية، وربما تحوّل الحليف إلى عبء، أو إلى متفرّج، أو حتى إلى خصم.
إن الأمن الذي يُشترى بالمال مؤقت بطبيعته، لأنه قائم على المصلحة لا على الولاء.
أما الأمن الذي يُبنى على قوة الدولة الذاتية، فهو وحده القادر على الصمود في وجه الأزمات.
وعندما جاءت أول صدمة حقيقية، انكشفت هشاشة البناء.
فالأبراج العالية لم تمنع الخطر، والصفقات العسكرية لم تحمِ القرار، والقواعد الأجنبية لم تمنح الاستقلال.
عندها ظهر الفارق بين الدولة التي تملك أدواتها، والدولة التي تستعير أدوات غيرها.
لقد بدت تلك الإمبراطورية عظيمة من الخارج، لكنها كانت فارغة من الداخل.
كانت تملك المال، لكنها لا تملك الرؤية.
وتملك السلاح، لكنها لا تملك القرار.
وتملك الأبراج، لكنها لا تملك الأساس.
إن التاريخ مليء بدولٍ امتلكت الثروة وفقدت السيادة، وامتلكت القوة المادية وخسرت القوة المعنوية.
فالثروة وحدها لا تصنع مجداً، والسلاح وحده لا يحمي وطناً، والتحالفات وحدها لا تضمن الاستقرار.
الذي يصنع المجد هو الإنسان الواعي، والمؤسسة القوية، والفكر المستقل، والقرار السيادي.
فكيف يمكن لدولة أن تدّعي القوة، وهي تطلب من غيرها أن يحميها؟
وكيف يمكن لإمبراطورية أن ترفع راية السيادة، وهي لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلم؟
وكيف يمكن لأمة أن تتحدث عن الاستقلال، وهي تعتمد في أمنها واقتصادها وتقنيتها على الآخرين؟
إن الإمبراطوريات الحقيقية لا تُبنى بالمال وحده، بل بالعقول التي تحسن إدارة المال.
ولا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالإرادة التي تعرف متى تستخدمه.
ولا تُبنى بالتحالفات وحدها، بل بالقدرة على الاستغناء عنها عند الضرورة.
ولهذا، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة ليس في النفط، ولا في السلاح، ولا في الأبراج، بل في العقل البشري.
فالعقول هي التي تصنع التكنولوجيا، وهي التي تبني الاقتصاد، وهي التي تحمي السيادة، وهي التي تضمن الاستمرار.
أما الدولة التي تعتمد على المال وحده، وتؤجل بناء الإنسان، وتستعير أمنها من الخارج، فإنها قد تبدو قوية في زمن الرخاء، لكنها ستنكشف في زمن الشدّة.
وقد تلمع في عيون العالم، لكنها ستظل هشّة في جوهرها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
كم تملك الدولة من المال؟
ولا كم تملك من السلاح؟
بل:
كم تملك من العقول؟
وكم تملك من الاستقلال؟
وكم تملك من القدرة على حماية نفسها بنفسها؟
إن الإمبراطوريات الحقيقية تُبنى بالعقول قبل الثروات،
وبالاستقلال قبل التحالفات،
وبالإنسان قبل السلاح.
أما تلك التي تعتمد على المال وحده، دون فكرٍ وسيادة،
فمصيرها أن تبقى…
إمبراطورية من ورق.
،* كاتب عراقي