بقلم: موسى عبّاس
منذ عام 1971، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها للعالم كمعجزة اقتصادية نبتت من رمال الصحراء، مستندة إلى "حلم الاتحاد" الذي صاغه الآباء المؤسسون. لكن، ومع تسارع الأحداث في عام 2026، يبرز تساؤل جوهري يتردد في أروقة السياسة ومقاهي الشعوب العربية: هل ما زالت الإمارات دولة ذات سيادة عربية، أم أنها تحولت إلى "مشروع وظيفي" صُمم في غرف الاستخبارات الغربية والصهيونية؟
خديعة "الديانة الإبراهيمية"
لم يكن "الدين الإبراهيمي" مجرد دعوة للتسامح، بل بدا كغطاء أيديولوجي لنزع فتيل العداء التاريخي مع الكيان الصهيوني. ترافق هذا المسار مع سياسة ممنهجة لتكميم المنابر وتغيير المناهج، وتجنب الآيات القرآنية التي تفضح ممارسات اليهود التاريخية، في محاولة لخلق "إنسان جديد" في المنطقة؛ إنسان يتقبل المحتل كشريك، وينبذ المقاوم كعدُو.
الجغرافيا السياسية:
مقامرة فوق "ناطحات السحاب:
"تعتمد الإمارات "البراغماتية المتوحشة"؛ فهي من جهة رئة اقتصادية لإيران تخفف عنها وطأة العقوبات، ومن جهة أخرى تتحول إلى قاعدة متقدمة للموساد والمخابرات المركزية الأمريكية. لكن هذا اللعب على الحبال بات خطيراً؛ فإيران التي تسيطر عسكرياً على الجزر الثلاث (طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى) منذ عقود، تدرك أن أمنها القومي يعلو فوق مليارات التجارة. ومع أول قصف يطال "الأبراج الزجاجية"، ستكتشف أبوظبي أن "المارينز" لن يضحوا بجنودهم من أجل ناطحات سحاب دبي، وأن الشركات العالمية هي أول من يحزم حقائبه عند سماع دوي الانفجارات.
زلزال "جزيرة خرج" ونهاية المحميات:
يتصاعد القلق اليوم مع تجدد التهديدات الأمريكية باستهداف مراكز الطاقة الإيرانية أو احتلال "جزيرة خرج" الاستراتيجية. إن أي حماقة من هذا النوع ستعني "انتحاراً جماعياً" للمحميات الخليجية، وعلى رأسها الإمارات والبحرين، التي فتحت أراضيها وقواعدها لهذا العدوان. فإيران، الدولة التي يمتد عمرها لآلاف السنين وتضرب جذورها في عمق التاريخ، لن تسمح لكيانات "حديثة التأسيس" أن تكون منصة لتدمير وجودها دون رد زلزالي وقاسٍ.
في تلك اللحظة، لن تكون منظومات "الدفاع الجوي" الصهيونية سوى ألعاب ورقية أمام صواريخ ومسيرات إيرانية ستجعل من موانئ دبي والمنامة ومحطات تحلية المياه فيهما أثراً بعد عين. إيران لا تهدد فحسب، بل تؤكد بمنطق الجغرافيا أنها قادرة على محو "النموذج الزجاجي" للإمارات في ساعات، ليدرك الجميع حينها أن "المارينز" لن يضحوا بقطرة دم واحدة دفاعاً عن عروش أو استثمارات.
الدور الوظيفي وتفتيت المنطقة:
تُتهم السياسة الإماراتية اليوم وهذا هو واقع ما يجري ،بأنها المحرك الخفي لتفتيت الكيانات العربية؛ من اليمن الممزق، إلى السودان الجريح، وصولاً إلى ليبيا والمنطقة. يرى الكثيرون أن هذا الدور يصب مباشرة في مصلحة الكيان الصهيوني، الذي يريد جيراناً غارقين في الصراعات البينية، بينما تفتح الإمارات جسورها البرية والجوية لكسر الحصار عن الصهاينة في وقت تُغلق فيه الممرات البحرية نصرة لغزة.
التنافس: "الإخوة الأعداء"
خلف كواليس "مجلس التعاون"، يدور صراع صامت ومرير على النفوذ بين الإمارات والسعودية. تسعى أبوظبي لإضعاف النفوذ السعودي في اليمن والمنطقة، ليس حباً في الاستقلال، بل لتكون هي "الوكيل الحصري" والوحيد للمصالح الصهيو-أمريكية، ظناً منها أن هذا الارتماء في الحضن الصهيوني سيحميها من جيرانها ومن غضب شعوب المنطقة المناهضة للسياسات الأمريكية.
هل اقتربت ساعة الحقيقة؟
إن بناء دولة على أساس "الوظيفة الأمنية" للآخرين هو رهان خاسر تاريخياً. فنقمة الشعوب العربية والإسلامية التي تتزايد اليوم، والعداء المستحكم مع القوى الإقليمية، يجعلان من الإمارات "هدفاً مكشوفاً" في أي صراع شامل. الجغرافيا لا تكذب، والتاريخ لا يرحم؛ فهل يدرك حكام الإمارات أن الحماية الصهيونية هي مجرد "سراب" سيتبخر عند أول اختبار حقيقي، أم أن "مشروع الإمارات" قد وصل إلى نقطة اللاعودة في الارتهان للخارج؟