خريف الإمبراطورية: حين يخذل
مقالات
خريف الإمبراطورية: حين يخذل "المعدن" صاحبه أمام يقين "أهل الأرض"., الجغرافيا الثقافية ضد الجغرافيا الاستراتيجية: قراءة في انكسار الردع وسقوط بورصة الدم
موسى عباس
30 آذار 2026 , 16:12 م

بقلم: موسى عبّاس

أحسب أن حسابات موازين القوى العسكرية في صيغها المادية المباشرة، ليست صالحة لأن تعطيك إجابة دقيقة عن الاتجاه الاستراتيجي لهذه الحرب؛ ذلك أنك لا تستطيع أن تمسك بقاعدة الميزان العسكري لهذه الحرب، دون أن تمسك في الوقت ذاته بقاعدة الميزان العقائدي والثقافي والحضاري لطرفَيهْا.

بين الفيلسوف والسمسار:

يتجلى الصراع اليوم في صورة مفارقة حادة؛ فبينما يقف على جانب "أهل الأرض" فكر يغوص في أصول الفلسفة واليقين، داحضاً نسبية الحقيقة، يقف على الجانب الآخر "سماسرة محترفون" يتعاملون مع التاريخ والواقع بمفهوم "الصفقة التجارية" أو المضاربة العقارية في بورصة الدم. إنها المواجهة الكبرى بين من يقاتل دفاعاً عن وجوده، ومن يقاتل لإطالة عمر سلطته وماله.

الذاكرة هي القوة: تحطُم أسطورة "الميركافا"

لقد كتب المفكر الفرنسي (فوكو) ذات يوم: "الذاكرة هي القوة". وهذه المعادلة هي حد السيف الفاصل اليوم. فبينما تمتلك الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية ذاكرة عسكرية محدودة العمق، اعتادت النصر المطلق على خصوم غير مكافئين، تمتلك شعوب المنطقة "ذاكرة تاريخية" واستراتيجية ثابتة هي المصدر الحقيقي للثبات.

من هنا، رأينا كيف يخذل "المعدن" صاحبه؛ فحين تواجه أحدث تكنولوجيا السلاح (كالميركافا 4) مقاتلاً يمتلك "يقين الأرض" وسلاحاً كـ "الكورنيت"، تسقط هيبة التكنولوجيا أمام "صبر الصياد". إن تدمير عشرات الدبابات منذ مطلع آذار الحالي ليس مجرد حدث عسكري، بل هو إعلان عن فشل "إدارة التوحش" التقنية في تطويع إرادة الشعوب.

الإمبريالية في طور "الحملات الصليبية"

تتحول الإمبريالية اليوم، في أوج أزمتها، إلى طور "النهب الغريزي"، محولة القوة العسكرية إلى استثمار اقتصادي لنهب مقدرات المنطقة، تماماً كما فعلت الإمبراطورية الرومانية قبيل انهيارها. إنها "حرب الشركات" وليست حرب الدول، تقودها نخب تمثل قاع المجتمع الإنساني فكراً وقِيماً، وتعمل "صيادة للمال" في برك الدم.

سقوط الردع وساعة الفرار:

لقد سقط "الردع" كحائط من زجاج بمجرد إطلاق الطلقة الأولى. وما نسمعه اليوم عن "ترميم الردع" ليس سوى محاولة لإنكار "الفشل المنظومي الكامل" الذي اعترفت به لجان التحقيق الإسرائيلية؛ فالجيش الذي لم يفهم تغير "طبيعة الخصم" لن ينقله التفوق الجوي من الهزيمة إلى النصر.

إن المعتدي، مهما توسع جغرافياً، تزداد خسائره؛ فهو دخيل لا يملك مبرراً للتضحية ويفضل الفرار، بينما صاحب الأرض يزداد تشبثاً بها. ومع كل "نعش" يعود إلى ديار المعتدين، ستزداد النقمة على القادة المقامرين (ترامب ونتنياهو) الذين لا يأبهون لدموع الأمهات طالما بقيت أحلامهم في السلطة قائمة.

نحو "جنوب أفريقيا" جديدة

التاريخ لا يحابي أحداً؛ والقوة الغاشمة تمتلك بذور فنائها في داخلها. إن التوازي بين المقاومة الميدانية والمقاومة الثقافية والسياسية العالمية وضع الكيان في "عزلة أخلاقية" خانقة. وكما حدث مع المستعمرين البيض في جنوب أفريقيا، سيأتي اليوم الذي تدرك فيه القوى الكبرى أن الاستثمار في هذا الكيان أصبح "خاسراً"، وأن الهزيمة الآن أرخص ثمناً من الاستمرار في هروبٍ نحو الأمام لا يحقق نصراً.

لقد انتصر "المعنى" على "المعدن"، والجغرافيا الثقافية على المواقع العسكرية، ومهما توسّع الإحتلال جغرافيّاً ،الكلمة الأخيرة ستبقى للمقاومة لأهل الأرض الذين لم ينسوا يوماً أن الذاكرة هي القوّة وأن الحق لا يموت بالتقادم أو بقوّة القنابل.