القرار السياسي الصادر عن الدولة اللبنانية لم يكن مجرد إجراء إداري أو تكتيكي، بل جاء كأمر صريح للجيش بالانسحاب من عدة قرى جنوبية، تُصنَّف سياسيًا في خانة الخصومة مع حزب الله، أو في الحد الأدنى خارج بيئته المؤيدة. هذه القرى التي طالما أعلنت، قولًا أو ادّعاءً، تمسّكها بخيار الدولة الحصرية وبقواتها المسلحة كمرجعية وحيدة للشرعية والحماية، وجدت نفسها اليوم أمام اختبار قاسٍ يكشف هشاشة هذا الرهان.
لقد أعادت الدولة إنتاج سلوكها المزمن على امتداد خمسة عقود: الانسحاب عند اللحظة الحرجة، والتخلي عند الامتحان الفعلي. تركت هذه القرى، كما غيرها سابقًا، مكشوفة أمام تهديد الاحتلال، بلا غطاء، بلا ردع، وبلا حتى حدٍّ أدنى من الالتزام الأخلاقي أو السيادي بمسؤولية الحماية.
وهنا، ينفتح المشهد على ثلاث مسارات قاسية لا رابع لها: إما التهجير القسري وترك الأرض لمصيرها، أو السقوط في فخ إعادة إنتاج نماذج العمالة المحلية على شاكلة “جيش لحد” بصيغة جديدة، أو الانقلاب الكامل على القناعات السابقة والذهاب نحو الخيار الذي طالما رُفض — خيار مقاومة المحتل.
لكن المفارقة التي لا يمكن القفز فوقها، أن التجربة الميدانية الصلبة تعيد صياغة الوعي قسرًا: حين تسقط الدولة كضامن، يتحول الدفاع الذاتي من خيار أيديولوجي إلى ضرورة وجودية. وعند هذه النقطة، لا يعود للاصطفافات السياسية أو الانقسامات الطائفية أي معنى يُذكر، إذ يختزل الصراع إلى معادلة أولية حاسمة: أرض تُحتل، وناس تُدافع.
وعليه، فإن ما يُسمّى مقاومة، يفقد طابعه الجدلي النظري، ويتحوّل إلى فعل طبيعي بديهي، يتجاوز اللون والطيف والانتماء، ليُختصر بمسمّاه الوحيد: دفاع عن البقاء.
عباس المعلم - كاتب سياسي