لبنى السويسي / المغرب
لا تحدثوني اليوم عن إيران الشيعية، بل عن إيران المسلمة. فلعبة المذاهب التي شرذموا بها المنطقة، وفرقت بين شيعي وسني، بلغت نهايتها السياسية يوم جرى كسر شوكة الجميع تِباعًا، لم تعد الحرب اليوم حرب مذهب وطائفة، بل حرب خرائط ومقدرات، حربا على كل من بقي يملك إرادة أو ثروة أو موقعا خارج الطاعة❗️
ما يجري اليوم ليس حربا على ايران، بل صراع أوسع لترتيب موازين القوة فوق جغرافيا الطاقة العربية والإسلامية. فالولايات المتحدة لا تتحرك لكبح طهران، بل أيضا لإدارة بيئة استنزاف واسعة تربك خصومها الدوليين، وفي مقدمتهم روسيا والصين، وتمنع تشكل فضاء أوراسي متماسك يمتد من الشرق الآسيوي إلى قلب الشرق الأوسط. وفي هذا السياق تتحول المنطقة العربية إلى ساحة تشغيل استراتيجي، تضرب فيها مصادر القوة، وتستثمر هشاشتها السياسية والعلمية والاقتصادية لدفعها إلى مزيد من التبعية، بل إلى القبول بإعادة هندسة الإقليم على مقاس المصالح الغربية والإ،،،رائيلية.❗️
الفوضى هنا ليست أثرا جانبيا، بل أداة مقصودة. فمن قلب الحرب يعاد تثبيت التمركز في شرق المتوسط، وتتسارع معارك السيطرة على الغاز والممرات البحرية، وتنفتح شهية القوى الكبرى على خرائط جديدة للنفوذ. أوروبا، المأزومة طاقيا، ترى في غاز شرق المتوسط متنفسا استراتيجيا، وإ،،،رائيل تستثمر الحرب لفرض وقائع حدودية وأمنية جديدة، كما يظهر من الدعوات الإ،،،رائيلية المتكررة إلى توسيع نطاق السيطرة في جنوب لبنان حتى الليطاني. أما العالم العربي الرسمي، الذي جرد من شروط الفاعلية الحضارية والعلمية، فيدفع، بعد إنهاك آخر معاقل الممانعة في إيران، إلى التطبيع لا بوصفه خيار سلام، بل بوصفه وظيفة داخل منظومة إقليمية جديدة تتصدرها إ،،،رائيل باعتبارها الحارس المتقدم للمصالح الغربية في الشرق، والقائد الميداني الأكثر حضورا في المنطقة.❗️
بهذا المعنى، ليست الحرب إقليمية بالمعنى الضيق، بل حرب وكالة كبرى تدار على أرض المسلمين، وفوق خزانات الطاقة، ومن خلال دماء شعوب فرض عليها أن تكون مادة خاما في سوق الخرائط الجديدة. فالهدف النهائي ليس فقط كسر إيران، بل إعادة تشكيل المجال العربي والإسلامي كله في صورة أكثر قابلية للضبط، وأقل قدرة على المقاومة، وأكثر استعدادا لقبول مركزية إ،،،رائيل في الإقليم تحت المظلة الأمريكية الأوروبية، قبل أن يشتد عود الصين الصاعدة ويتآكل التفوق الأمريكي الذي بدا، لعقود، وكأنه قدر لا يزول❗️
لهذا تبدو اليوم سياسات الأرض المحروقة التي تمارسها الولايات المتحدة و إسرائيل، تعبيرا عن مرحلة شرسة وكأنها انقلاب صريح على القيم التي كانت تتغنى بها. فحين تشعر الإمبراطوريات بأن زمنها يضيق، لا تعود تتحدث بلغة المبادئ، بل بلغة الردع والخراب وإعادة رسم الخرائط. غير أن سنة التدافع لا ترحم أحدا، فالقوة حين تفقد ميزانها الأخلاقي تأكل نفسها قبل أن تأكل غيرها. تبدأ كالنار مهيبة، سريعة، قادرة على ابتلاع كل شيء، ثم تكتشف متأخرة أن النار لا تميز بين الحطب والبيت❗️
كم من مشروع بدأ باسم المظلومية ثم انتهى إلى صناعة مظلوميات جديدة، وكم من قوة رفعت نفسها منقذة للعالم ثم تحولت إلى نسخة أخرى مما كانت تزعم أنها تقاومه. ولذلك تبقى الحكمة القرآنية أصدق من كل الشعارات: "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها". فالسنن الكونية لا تحابي أحدا، القوي يهرم إذا اغتر بقوته، والضعيف يشتد ساعده إذا صبر وأحسن وبنى على العدل. والذي يغير العالم حقا ليس مجرد السلاح، بل أيضا القدرة على مقاومة الظلم دون التحول إلى ظالم جديد.
ومن قلب هذه الغابة المتوحشة، لا يقف كثيرون مع إيران لأنها شيعية، بل لأنهم يرونها اليوم في موقع المسلم المستهدف والمظلوم والممانع، في مواجهة مشروع يُريد شرقا أوسط منزوع الإرادة والكرامة. فالمعيار الأخلاقي، بالنسبة إلى شعوب الشرق والغرب، ليس المذهب ولا الهوية الطائفية، بل موقع الإنسان من الظلم: مع المقهور ضد القاهر، ومع الحق ضد من يحتكر القوة. لأن منطق الإنسانية، في نهاية المطاف، أسمى من خرائط النفوذ، وأبقى من صخب الإمبراطوريات.✌️
* كاتبة مغرببة مقيمة في ألمانيا