” حيث الحصار انكسار لا استقرار، والإعصار رعد وانتصار لا إعذار؛ تتقاطع العبارة مع الإشارة، ويغدو القول فعلا، والبيان ميدانا ".
ليس مقالي هذا يطلب له الإعجاب، بل خطاب يراد له الإقناع؛ ففي زمن بردت فيه النصوص حتى كادت تشبه التقارير، أو احترقت حتى صارت ضجيجا بلا بصيرة، أكتب بأسلوب بلاغي لا أتخذه ترفا، بل أسخره أداة دقيقة تخدم الفكرة ولا تخفيها. هنا، لا يكون السجع ستارا، ولا الجناس مدادا، بل كلاهما في خدمة برهان يتقدم ولا يتأخر.
أمزج البلاغة بالبيانات، وأوازن بين العقل والوجدان، لا لتجيش العاطفة، بل لتحدث أثرا إستراتيجيا يعيد ترتيب الفهم قبل الموقف. إنها ابستمالوجيا الإنتصار في طهران؛ حيث يتجلى ديالكتيك الحق والقوة، وتتهاوى ميتافيزيقيا الهيمنة، بينما تنبثق براديغمات الصمود لتعيد تشكيل معادلات الصراع وتفكك وتهلك بنية الإستكبار والطغيان.
أقرأ المشهد بعين مفتوحة، لا أنخدع ببروغندا تزييف الوعي، ولا أنساق خلف حملات التشويه والتلطيخ، التي يروج لها بعض أعراب النفاق والطائفيين والمأجورين، ممن استبدلوا الحقيقة بزخرف الكراسي المرصعة الزائلة، ووشوا النفاق بذهب الإدعاء.
ومن هنا، يكتسي حديثي أهمية خاصة، لأنه يسعى إلى رفع منسوب الوعي واليقظة، لا إلى تضخيم الصدى. حين أغوص في مجريات الحدث، لا أقف عند سطح الوقائع، بل أنفذ إلى عمق البنية. لقد أعدت ضمن جدلية الحصار والإعصار، تعريف الممكن السياسي: فحيث يراد للضغط أن ينهك، حولته إلى طاقة؛ وحيث يراد للتطويق أن ينهي، جعلته تموضعا جديدا يفتح مسارات الفعل.
وليس هذا توصيفا إنشائيا، بل قراءة في تحولات ميزان القوى؛ إذ يكفي أن نلحظ انتقال الفعل من رد إلى مبادرة، ومن ارتداد إلى امتداد، لنفهم أن ماجرى ليس تفصيلا عابرا، بل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك ذاتها. وهنا، تتجلى الاستراتيجية بوصفها علما تدار، لا حماسة تستعار؛ فالتراكم، والتخطيط، وإدارة الموارد ضمن بيئة معقدة، كلها شواهد على أن الإنجاز ليس ومضة، بل منظومة. إن مزجي بين البلاغة والبيانات في هذا السياق ليس ترفا، بل ضرورة؛ لأن الأرقام دون روح قد تضلل، كما أن العاطفة دون عقل قد تزيف. وبين هذا وذاك، يتشكل خطاب يتجاوز التجييش إلى التأثير، ويتخطى اللحظة إلى البنية.
هنا، لا أكتب لأدهش، بل لأكشف؛ ولا أزخرف لأخفي، بل لأظهر. فحين يتقدم الوعي على الضجيج، وتسود الفكرة على الفقاعة، يصبح البيان موقفا، وتغدو الكلمة قوة. وعندها فقط، لا يعود الإنتصار خبرا يروى، بل مسار يحتذى؛ ولا تبقى طهران عنوانا في سطر، بل تتحول إلى اختبار في سطر وتاريخ. ”ومن حق طهران أن نكرمها بزخرف القول لما حققته من إنجازات على الساحة وفي الميدان"
فإن كان للحصار زمن، فللإعصار حسم؛ وإن كان للضجيج صدى، فللوعي صدارة...وتلك خاتمة لا تكتب بالحبر، بل تحسم بالفعل. نعم لقد انتصرت وظفرت إيران.
محلل سياسي وإعلامي من دمشق.