.كتب: موسى عبّاس
من قلب النزيف، من الجنوب الصامد كصخرة في وجه إعصار الإبادة، نوجّه هذه الكلمات إلى كل لبناني وعربي يعيش في بلاد "الحُرّيات" المزعومة، من نيويورك وواشنطن وميشيغان وديربورن إلى برلين وسيدني وباريس وجميع عواصم ومدن الغرب .
إنها ليست رسالة عتاب، بل هي صرخة استنهاض أخيرة لضمائر كاد يقتلها الترف، واستكانت خلف شاشات التلفاز والهواتف بينما جرّافات "المغول الجدد" تمحو تاريخ أجدادِكم.
المشهد الذي تفرّون منه:
بينما تشربون قهوتكم في مقاهي الغرب، هناك جندي صهيوني يلتقط "سيلفي" في مطبخ جدتك في "يارون" أو "بنت جبيل" أو "الخِيام"، وآخر يضغط زر التفجير ليمحو حارةً كاملة في "بنت جبيل والخيام وعيثرون وحانين ويارون ومارون وعيثا وشمع والناقورة والضهيرة ويارين وحولا وميس الجبل وبليدا ومركبا والعديسة وغيرهم " قرى ومدن شهدت صرخات ولادتكم. إنهم لا يهدمون جدراناً، بل يغتالون ذاكرتكم، تراثكم، وتعبَكُم ، وحقّكم في أن يكون لكم جذور. إن ما يجري في الجنوب اليوم ليس "جولة قتال"، بل هو تنفيذ لمخطط استيطاني يسعى لتحويل قراكم إلى ملاعب للمستوطنين، يواجهه ويتصدى له أبطال من بلادكم يقاتلونه حتى الرمق الأخير ، حتى الشهادة،"كرّارين وليسوا ب فرّارين "وسط صمتٍ مطبق وتآمر وانبطاح ، ووسط صمت ملايين اللبنانيين والعرب و الأحرار المنتشرين في أصقاع الأرض .
وهم الحياد وذريعة "العجز":
كفّوا عن ترداد نغمة "ماذا بوسعنا أن نفعل؟". أنتم تعيشون في دول تُدفع ضرائبكم فيها لتغطية ثمن القنابل التي تمزق أشلاء أهلكم. إن صمتكم في بلاد القرار هو وآسفرأن أقولها :"تواطؤ مغلف بالخوف".
انظروا إلى أحرار العالم، إلى طلاب الجامعات الأجانب الذين لا تربطهم بفلسطين ولا بقُِرانا لغةً ولا دين، كيف واجهوا الهراوات والاعتقال لنصرة فلسطين ولبنان. هل يُعقل أن يكون ضمير الغريب أصحى من حنين ابن الأرض؟
المقاومة: فعل الوجود لا ذريعة العدوان:
إلى الذين ينساقون خلف البروباغندا الغربية وإعلام البترودولار اللبناني والعربي الساقط المكلّف بتشويه الحقائق وبثّ السموم والتحريض الفتنوي ويبررون صمتهم بـ "السياسة":
تذكروا جيداً أن المقاومة في لبنان أو في أي أرض مّحتلّة لم تكن يوماً ترفاً أو خياراً عبثياً، بل هي ردّة فعل فطرية على احتلال غاشم لا يفهم إلا لغة القوّة. الاحتلال هو الأصل، هو العلّة، وهو المجرم؛ تذكّروا أنّ هذا الكيان الغاصب ومنذ زرعه من قِبَل الإستعمار البريطاني "غُدّةً سرطانية في قلب العالم العربي " وعلى حدودنا مع فلسطين في العام 1948 ارتكب المجازر في قرانا وأشهرها "مجزرة حولا التي ارتكبتها العصابات الصهيونيّة المسمّاة "الهاجانا" بقيادة "مناحيم بيغن" الذي اصبح فيما بعد(1977) رئيساً لوزراء الإحتلال ارتكبتها يوم 31 تشرين الأوّل 1948 ، ولم يكن قد مضى على تأسيس الكيان المحتل سوى أقل من خمسة أشهر .
ووجودنا على هذه الأرض هو الحقّ الذي لا يحتاج لإذن من أحد. إنّ من يتذرّع بوجود المقاومة التي نشأت بعد وصول جيش الصهاينة إلى العاصمة اللبنانية "بيروت" في العام 1982 لتبرير إبادة الحجر والشجر أصابته سقطة أخلاقية تضعه في خندق العدوّ نفسه.
الاستكانة هي النكبة الجديدة:
إن الاندماج في المجتمعات الغربية لا يعني "الانسلاخ"، إذا ضاعت الأرض، لن تنفعكم جنسيّاتكم ولا حساباتكم البنكيّة، ستظلون في نظر العالم "لاجئين بلا وطن".
إن ما يحدث في الجنوب هو فاتورة كرامة ندفعها جميعاً، ومن بخل بكلمة أو موقف أو تظاهرة في واشنطن أو لندن، أو برلين أو باريس أو في أي مكان موجود فيه في بلاد الإغتراب فهو يساهم في نسج كفن قريته بيديه.
النداء الأخير:
يا أهلنا في الاغتراب، اهجروا صمتكم المخزي. نظّموا المسيرات، اضغطوا على نوّابكم، تحدّثوا إلى الإعلام ، املأوا الساحات، واجعلوا صراخكم يزلزل عروش الحكومات التي تدعم القاتل، لا تسمحوا لـ "المغول الجدد" أن يحتفلوا فوق أنقاض بيوتكم بينما أنتم تتفرجون.
التاريخ لا يسجّل عدد من بكوا خلف الشاشات، بل يسجّل من نهضوا حين كان الصمت خيانة.