في الحرب الدائرة بالمنطقة ليس أخطر ما فيها هو الصواريخ ولا الطائرات ولا حتى الدمار، بل أخطر ما فيها هو اللحظة التي دخلت فيها الحرب مرحلة اللايقين. عندما لم يعد أحد يعرف متى تنتهي، ولا كيف تنتهي، ولا من الذي انتصر فيها فعلاً.
عندها أصبحت التصريحات السياسية جزءاً من المعركة، ويصبح إعلان النصر أحياناً محاولة لتجنّب إعلان المأزق.
من يتابع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراَ يلاحظ ظاهرة لافتة إعلان نصر يتكرر بشكل شبه يومي، حديث عن اقتراب نهاية الحرب، ثم عودة للحديث عن مهلة جديدة، ثم إعلان عن اتفاق، ثم تهديد بعملية عسكرية، ثم حديث عن مشروع السيطرة على جزيرة وانزالات برية ، ثم تأكيد أن واشنطن ستفتح مضيق هرمز بالقوة وأخيراَ المغادرة بلا اتفاق . هذا التناقض في التصريحات لا يعكس فقط تقلباً سياسياً، بل يعكس حقيقة أعمق أن الولايات المتحدة لا تواجه حرباً سهلة ولا حرباً سريعة، بل حرب استنزاف معقدة.
واشنطن تقول إنها دمرت ما بين 9 إلى 10 آلاف هدف في إيران، وأنه لم يبقَ سوى نحو 3500 هدف، أي إن ثلثي الأهداف قد دُمّر. وفق الحساب العسكري البحت، هذا يعني أن الحرب يفترض أن لا تستمر طويلاً، ربما أسبوعين في أقصى تقدير. لكن المشكلة أن الحروب لا تُحسم بعدد الأهداف المدمرة فقط، بل بقدرة الطرف الآخر على التكيّف وتغيير أسلوب القتال.
وهذا ما فعلته إيران. فهي، وفق المعطيات الميدانية، خفّضت عدد الصواريخ التي تطلقها بشكل كبير، لكنها في المقابل رفعت نسبة دقة الإصابات بشكل واضح. أي أنها انتقلت من حرب الكثافة إلى حرب الدقة، ومن وابل الصواريخ الباليستية إلى الطائرات المسيّرة الرخيصة والرؤوس الحربية العنقودية التي تتسلل عبر الرادارات وتربك الدفاعات الجوية. النتيجة عدد أقل من الصواريخ، لكن ضرر أكبر.
بهذا المعنى، يمكن القول إن إيران أدركت بأن هذه الحرب ممكن أن تكون طويلة لذلك تحاول أن تربحها من حيث الدقة بالأهداف والاستنزاف الطويل رغم الخسائر التي تتعرض لها ، بينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل حسم الحرب من خلال تدمير أكبر عدد ممكن من الأهداف بأسرع وقت للوصول إلى تقليص القدرات وتحقيق أعلى نسبة دمار لتترك ايران بعد الحرب بمشكلة ترميم ماتم تدميره وبالتالي بمشكلة مفتوحة مع الشعب .
نحن إذن أمام استراتيجيتين مختلفتين:
استراتيجية الحسم السريع، واستراتيجية الاستنزاف الطويل.
لكن السؤال الأهم: لماذا يعلن ترامب النصر بشكل متكرر؟
الجواب على الأرجح ليس عسكرياً فقط، بل داخلي أميركي. فالرئيس الأميركي لا يواجه صواريخ في الخارج فقط، بل يواجه ضغطاً في الداخل فالمظاهرات في الشارع، بالإضافة إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، قلق في الأسواق، وخوف من التورط في حرب طويلة. وفي التاريخ الأميركي، كانت الحروب الطويلة تسقط الرؤساء سياسياً حتى لو لم يخسروها عسكرياً. لذلك يصبح إعلان “النصر القريب” جزءاً من إدارة الرأي العام، وليس فقط وصفاً للواقع العسكري.
المشكلة أن حسابات واشنطن ليست وحدها في هذه الحرب. فإسرائيل التي تعرضت لضربات صاروخية قاسية قد لا تكون مستعدة لإنهاء الحرب بسرعة، وإيران بدورها تراهن على عامل الوقت وعلى توسيع الجبهات، بعد دخول الحوثيين على خط المعركة وامتداد المواجهة إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز وباب المندب، أي إلى شرايين الطاقة العالمية.
لهذا السبب تحديداً، تبدو هذه الحرب وكأنها تتحرك في اتجاهين متناقضين:
تصريحات سياسية تتحدث عن نهاية قريبة، وميدان عسكري يتجه نحو تصعيد أكبر. وهذا هو تعريف مرحلة اللايقين عندما يقول السياسيون إن الحرب تقترب من نهايتها، بينما يقول الميدان إن الحرب ما زالت مستمرة .
نحن أمام مرحلة خطيرة، لأن الحروب عندما تدخل مرحلة اللايقين تصبح أكثر شراسة، إذ يحاول كل طرف أن يوجّه الضربة الأقسى قبل أي مفاوضات محتملة. ولذلك قد نشهد في الفترة المقبلة تصعيداً أكبر، خصوصاً في البحر والممرات النفطية والمنشآت الاستراتيجية.
باختصار، قد يكون السبب الحقيقي لإعلان النصر كل يوم هو أن أحداً لا يستطيع حتى الآن أن ينهي هذه الحرب .