بقلم ( عباس المعلم )
في لحظةٍ تتكثّف فيها المؤشرات المتعارضة، وتتشابك فيها الإشارات العسكرية مع القرارات السياسية العليا، يبرز تحوّل لافت في بنية القرار داخل إدارة دونالد ترامب طال رأس المؤسسة العسكرية الأميركية، بما في ذلك رئاسة الأركان، في توقيتٍ يتزامن مع تسارعٍ غير مسبوق في وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الإقليم. هذا التزامن لا يمكن قراءته خارج إطار إعادة ضبط قواعد الاشتباك الاستراتيجي، وتهيئة مسرح العمليات لمرحلة أكثر حدّة، تُدار فيها الحرب بأدوات مختلفة وسقوف مفتوحة.
في الميدان، تواصل الولايات المتحدة تعزيز حضورها القتالي عبر دفع آلاف من قوات المشاة البحرية، وإعادة تموضع القطع البحرية المقاتلة، بالتوازي مع نشر أسراب من القاذفات الاستراتيجية والطائرات متعددة المهام. هذا الحشد لا يعكس مجرد رفع منسوب الضغط والتهويل ، بل يشير إلى انتقال تدريجي نحو صيغة “الانخراط المُدار”، حيث تُمسك واشنطن بمفاتيح رفع مستوى التصعيد وتوقيته،، ولكن مع إبقاء هذا الخيار على الطاولة كأداة ضغط قصوى…
بعد دخول الحرب شهرها الثاني، أخذت المواجهة شكلاً أقرب إلى “الروتين القتالي المنضبط”، حيث باتت الضربات المتبادلة تستهدف بنى وأهدافاً شبه مكشوفة للطرفين، ضمن معادلة ردع متبادل منخفض السقف نسبياً. هذا النمط، وإن أوحى بثبات نسبي، إلا أنه يخفي في جوهره حالة استنزاف محسوبة، تُستخدم فيها النيران كأداة لإعادة تشكيل ميزان القوى تدريجياً، لا لحسمه فوراً. وفي المقابل، تغيب كلياً أي مؤشرات جدية على مسار تفاوضي يمكن أن يفتح نافذة لإنهاء الحرب، حتى على نحوٍ تدريجي.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يتراجع احتمال انتهاء الحرب في المدى القريب إلى مستويات دنيا، مع بقاء “عامل المفاجأة السياسية” قائماً نظرياً، دون أي مرتكزات واقعية تدعمه في الأفق المنظور. بالمقابل، يبرز السيناريو الأكثر ترجيحاً: إعادة خلط شاملة للأوراق الأميركية–الإسرائيلية تحت غطاء الخداع العملياتي، تمهيداً لمرحلة تصعيدية قد تتجاوز كل ما شهده الشهر الأول من الحرب. تصعيدٌ قد لا تحكمه سقوف واضحة، بل يُدار وفق مبدأ “الصدمة المركّبة” التي تستهدف كسر التوازنات القائمة دفعة واحدة.
في المقلب الآخر، تبدو إيران في حالة استنفار استباقي، مدفوعةً بتقاطعات معلوماتية ومعطيات استخبارية تردها من قوى إقليمية ودولية على صلة وثيقة بها، تشير إلى جدية التحضيرات الأميركية–الإسرائيلية لرفع منسوب المواجهة إلى حدودها القصوى. هذا الإدراك المبكر يمنح طهران هامشاً للمناورة، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام اختبار دقيق بين الردع والانخراط، في لحظة قد لا تسمح بكثير من المناورة .
أما على الجبهة اللبنانية، فتتسم الصورة الميدانية بقدر أعلى من الوضوح والحدّة. إذ تتجه نوايا العدو نحو توسيع نطاق الاحتلال في الجنوب، بالتوازي مع تكثيف الضربات الجوية التي لم تعد تقتصر على أهداف مرتبطة بالحزب، بل تمتد تدريجياً لتطال بنى تحتية سيادية للدولة اللبنانية نفسها، في محاولة لخلق بيئة ضغط شاملة متعددة المستويات.
غير أن الحدّ الفاصل في هذا المسار يبقى المواجهة البرية، بوصفها العامل القادر على قلب المعادلة. فاندلاع مواجهة برية واسعة قد يفرض على الحزب تحوّلاً دراماتيكياً في عقيدته القتالية الميدانية، عبر الانتقال من سياسة “المرونة العملياتية وعدم التمسك بالأرض” التي أثبتت فعاليتها في مرحلة الاستنزاف، إلى نمط قتال يقوم على التمسك الصلب بمحاور محددة، ورفع الكثافة القتالية على امتداد الجبهتين الجنوبية والشرقية، لا سيما في عمق البقاع. كما قد يستدعي ذلك التخلي الجزئي عن تكتيك الخلايا الصغيرة لصالح تشكيلات أكثر تماسكاً، قادرة على خوض معارك تماس مباشر ضمن بيئة نارية كثيفة.
المشهد يتجه نحو مفترق حاسم بين استمرار “الاستنزاف المنضبط” والانزلاق إلى “انفجار استراتيجي واسع”. وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو كفة التصعيد المرجّح أثقل، خصوصاً مع تزايد مؤشرات التحضير لعمليات نوعية كبرى قد تعيد تعريف مسار الحرب بالكامل. وعليه، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بكثافة النيران فحسب، بل بقدرة كل طرف على إدارة الانتقال من تكتيك الاحتواء إلى استراتيجية الحسم، في بيئة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث الخطأ الواحد قد يُشعل ما لا يمكن احتواؤه.
عباس المعلم - كاتب سياسي