في خضم المدافع التي ترسم خرائط الدمار في الشرق الأوسط، يطل من موسكو المفكر الجيوسياسي الروسي البارز "ألكسندر دوغين" بتغريدات مزلزلة، أطاحت بلغة السياسة والمصالح لتحلق في فضاء الماورائيات.
دوغين، الذي يُوصف بـ"عقل بوتين"، نشر سلسلة تغريدات مفاجئة أعلن فيها نهاية عصر المادية بالكامل، مبشراً الإنسانية بدخولها رسمياً "عصر تحقق النبوءات".
تغريدات دوغين لم تكن مجرد تنظير فلسفي عابر، بل استدعاءً دقيقاً وصادماً لنبوءات إسلامية حرفية.
استعان المفكر الروسي بكلمات من التراث، مشيراً إلى ما يُعرف بـ"رايات خراسان السوداء".
وبنبرة لا تقبل التشكيك، نقل أحاديث تشير إلى خروج رجال أشداء من المشرق لا يرد زحفهم شيء حتى تنصب راياتهم في القدس، رابطاً هذا المشهد المرعب بنهايات الأزمان وظهور شخصية "المهدي".
وما أثار دهشة المحللين الغربيين هو انغماس عقل استراتيجي بحجم دوغين في أدق التفاصيل الشكلية لهذه النبوءات.
فقد أشار إلى القادة القادمين من الشرق واصفاً إياهم بأنهم رجال ذوو شعر طويل ولحى، تُشتق أسماؤهم من بلدانهم وتحمل كنى.
هذا الإسقاط الواضح على مسرح الأحداث الحالي، وبالتحديد الدور الإيراني والجبهات المشتعلة في الشرق، يبدو محاولة روسية عميقة لصبغ الصراع الجيوسياسي بصبغة دينية ونبوئية حتمية.
بالنسبة لدوغين، لم تعد الحسابات العسكرية التقليدية أو "المنطق البشري" هي الحَكَم. صرّح بوضوح مخيف: "النبوءة أهم من المنطق... وكل النبوءات، حتى الشيطانية منها، ستتحقق بطريقة أو بأخرى".
هذه الرسالة الغامضة تعكس تحولاً جذرياً في نظرة روسيا لحلفائها وخصومها، وكأنها تمنح الشرعية لصعود قوى شرقية ساحقة مدفوعة بعقيدة راسخة لا تخضع لحسابات التكنولوجيا أو التفوق العسكري الغربي.
إقحام التراث الديني الإسلامي بهذه القوة من قِبل فيلسوف روسي نافذ في هذا التوقيت الملتهب ليس عبثاً.
إنه يعكس إيماناً استراتيجياً بأن الشرق الأوسط دخل مرحلة اللامعقول، حيث لن تحسم الصواريخ وحدها هوية المنتصر، بل الإرادة الغيبية. وبينما يتجادل الساسة حول موائد التفاوض وتوزيع المكاسب، يُذكِّرنا دوغين بأن هناك معركة كبرى تُحركها نبوءات نائمة، قد استيقظت لترسم النهاية بطريقتها الخاصة.