كتب حسن علي طه
منذ الساعات الأولى للحرب، لم يكن واضحًا سوى لقلةٍ فقط من المتابعين: لماذا الآن؟ وإلى أين ستصل؟ فمع شرارة البداية، أو ما عُرف بعملية "الستة صواريخ"، حصل إرباك حتى لدى أكثر من يدّعون المعرفة والعلم، فكانت الحيرة والارتباك سيدَي اللحظة. ما حصل كان متوقعًا أن يحصل في حزيران 2025، أن تدخل المقاومة الحرب مستندةً إلى الصواريخ الباليستية الإيرانية، لكن إعلان ترامب السريع، عبر تغريدة، لإنهاء الحرب، أتى في سابقةٍ تاريخية لم تحصل مطلقًا، إذ إن نهاية أي حرب تأتي عادةً بعد صولاتٍ وجولاتٍ من المفاوضات. انتهت الحرب، ولم يُقدَّر للمقاومة المشاركة فيها لإعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية. ومع أولى الضربات على إيران، ليل 28 شباط، وبعدها بيوم، وفي غضون ساعات، كانت جهوزية المقاومة قد اكتملت، في واحدة من أكبر عمليات التضليل للعدو، التحق المقاومون بمحاور القتال دون أي شبهة أو انتباه، لا من العدو ولا حتى من الصديق، فكانت المفاجأة لكليهما معًا. العدو على الحدود ردّ بضربات ليلية فاشلة لم تُصب أيًا من أهدافها الاغتيالية. أما في الداخل، والذي عاش مرارة إحساس "الزوج المخدوع"، فلم يجد سوى عقد اجتماعٍ على عجل، فوضع المقاومة "منظمة خارجة عن القانون" في أوضح صورة لسلطةٍ حاكمةٍ محكومةٍ للقرار "الأمريكائيلي". ومن اليوم الأول بدا أن الحرب تُخاض وفق تلازم وتنسيق بين الحرس الثوري وحزب الله، وأن هذا التنسيق محكوم بإنهاء الحرب معًا، أو على الأقل ألّا تتوقف على جبهة إيران إلا بعد تحقيق أهدافها في لبنان، وليس بالضرورة العكس. إذًا، يمكن وقف إطلاق النار في لبنان إذا تحقق: انسحاب العدو من لبنان وقف الاعتداءات إعادة الأسرى إطلاق عملية الإعمار
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن وقف إطلاق النار في 27-11-2024 كان كارثيًا، إذ أُطلقت يد الاحتلال الإسرائيلي قتلًا وتدميرًا طيلة سنة وربع. كما يعني أن التفاوض اليوم لن يكون لبنانيًا صرفًا، بل مرتكزًا على الجمهورية الإسلامية في إيران. وواقع الحال يفرض هذه المعادلة، إذ إن قصور الرئاسة مسكونة بالفراغ، في وقتٍ كان يجب أن تكون مزدحمة بالموفدين والدبلوماسيين. هذه المعادلة جعلت المسؤولين السياسيين في لبنان غير قادرين على فعل شيء، نتيجة سلوكهم طيلة العام المنصرم، الذي انتهى بقرار عزل المقاومة واعتقال مجاهديها. وما إصرار جوزاف عون ونواف سلام على جلوسهم مع العدو والتفاوض المباشر معه ورفضهم لتلازم المسار الإيراني–اللبناني إلا دليل عجزٍ وهرطقةٍ لا تُجدي. طالما أن من بيده القوة هو صاحب القرار. إضافة إلى أن العدو لا يعيرهم آذانًا صاغية لهذه العروض لعلمه أن الحل والربط ليس لدى الرؤساء. يضاف إلى ذلك نظرة العدو لضعفهم بعدما أعلنوا مرارًا أن الجنوب أصبح في عهدتهم. من هنا جاء كلام البطريرك الراعي ليحمّل المقاومة مسؤولية الحرب ويرفض مسار التفاوض، وضرورة فك المسارين، تأكيدًا على إصراره في الوقوف في صف العدو على حساب أبناء الأرض، وإذا أُضيف إليه كلام جوزاف ونواف، ووزير الإعلام مرقص صاحب توصيات تلفزيون لبنان، تبقى الحكمة أن: فاقد الشيء لا يعطيه سيدة الموقف. والغاية من فك المسارات الاستفراد بالمقاومة من جديد، لأن انتصار المقاومة، بنظر حلفاء إسرائيل في لبنان، نهاية حتمية لرهاناتهم وأحلامهم وحتى لوجودهم في لبنان.
من ناحية أخرى، يسارع الأمريكي الخطى نحو "انتصار وهمي" حيث تشير المعطيات إلى أن ترامب قد يكون أول المغادرين، مما يضع العدو الإسرائيلي بين فكي كماشة: الحرس الثوري وحزب الله، في سباق مع الوقت لدقّ المسمار الأول في نعش "الحلم الإسرائيلي الأكبر" إلى الأبد.