لايمكن اعتبار زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى دمشق حدثا بروتوكوليا عابرا، بل خطوة تعكس انتقال العلاقات الدولية من منطق المحاور إلى منطق الشراكات المتعددة .
في لحظة تاريخية تتقاطع فيها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية مع تحولات الشرق الأوسط، تبدو دمشق ساحة جديدة لإعادة توزيع النفوذ.
تسعى كييف، التي أدركت أن المواجهة مع موسكو لا تُحسم عسكريا فقط، إلى توسيع نطاق اشتباكها سياسيا واستراتيجيا، عبر اختراق ساحات كانت تقليديا ضمن النفوذ الروسي.
وهنا تبرز سوريا، بعد التغيير الذي حصل فيها ، كفرصة لإعادة التموضع، خاصة في ظل سعي دمشق لكسر العزلة والانفتاح المتعدد على قوى جديدة حول العالم .
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك الأوكراني عن رسائل غير مباشرة إلى موسكو، خصوصًا بعد اتهامات غربية لروسيا بتقديم دعم لوجستي إلى إيران خلال حربها مع الولايات المتحدة.
مما يجعل الانخراط في الساحة السورية جزءا من لعبة توازن أوسع تتجاوز حدود أوكرانيا نفسها.كما أن هذا الحضور الأوكراني لم يأتِ معزولا، إذ سبقته سلسلة زيارات واتصالات أجراها زيلينسكي مع عدد من الدول العربية، أبرزها السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والأردن، ضمن مسار منسّق هدفه بناء شبكة علاقات متعددة المستويات. ولم تقتصر هذه التحركات على البعد السياسي، بل شملت اتفاقيات بملفات الدفاع والطاقة والغذاء، ما يعكس رؤية أوكرانية شاملة للانخراط في المنطقة.
وتحظى أوكرانيا بعلاقات قوية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يمنحها هامش حركة أوسع في بناء شراكات إقليمية معقّدة ومتشابكة.
لكن جوهر هذه الزيارة إلى سوريا لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى بناء شراكة متعددة الأبعاد. اقتصاديا، يبرز مشروع إنشاء مركز للحبوب والمواد الغذائية كمحاولة لإدماج سوريا في سلاسل الإمداد العالمية، مستفيدة من موقع أوكرانيا كمصدر رئيسي للحبوب، وطبعاَ بالتشارك مع تركيا التي حضر وزير خارجيتها هذه الزيارة .فضلاَ عن دور سوريا المستجد في نقل النفط والغاز من العراق والخليج للبحر المتوسط بعد اغلاق مضيق هرمز نتيجة للحرب الدائرة في المنطقة .
وهذه المشاريع تمنح دمشق ورقة نفوذ جديدة تتجاوز الجغرافيا إلى التأثير.
أما من الناحية الأمنية والعسكريًة، تتضح معالم تعاون أكثر عمقا. فالمعطيات تشير إلى توجه نحو تطوير القدرات العسكرية السورية .
ولعل أبرز برامج التعاون ستكون في مجال الطيران المسيّر، كأحد أبرز أدوات الحروب الحديثة .
بالإضافة إلى برامج تأهيل وتدريب سريعة في مجالات المدفعية والقذائف الصاروخية
ودعم مهام حماية الطرق الحيوية ومواقع النفط، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويؤمّن الموارد .
هذا النوع من التعاون لا يعني صفقات سلاح تقليدية بقدر ما يعكس انتقالًا نحو تبادل الخبرات العملياتية، حيث تسعى كييف لنقل تجربتها في إدارة الحرب الحديثة، فيما تبحث دمشق عن بناء قوة عسكرية مرنة وسريعة التكيّف.
في هذا السياق، يبرز الدور التركي كعنصر حاسم وأساسي .
مشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في اللقاءات الثلاثية إلى جانب زيلينسكي والشرع تؤكد أن أنقرة ليست مجرد وسيط، بل شريك في هندسة هذا التقارب، وساعية إلى تثبيت موقعها كعقدة توازن بين ملفات أوكرانيا وسوريا.
في المحصلة، تعكس زيارة زيلينسكي إلى دمشق أكثر من مجرد لقاء سياسي بل إنها تعبير عن مرحلة جديدة تُدار فيها الصراعات عبر الشراكات المتحركة.
إنها خطوة تقرأ بأكثر من اتجاه في ظل تغييرات وتحولات كبيرة في المنطقة .