يوسف حسن يكتب -
صدر مؤخراً عن "كارنيغي للسلام الدولي" تحليل معمق بقلم مروان معشر، يشريح واقعاً جديداً ومؤلماً لدول الخليج العربي: بعد شهر كامل من الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انكشف أن المعادلات الأمنية التي راهنت عليها الرياض وأبوظبي لعقود قد انهارت تماماً.
لقد راهن الخليجيون على ركيزتين ثابتين: الأولى القواعد العسكرية الأمريكية العملاقة على أراضيهم، والثانية "اتفاقات إبراهيم" للتطبيع مع إسرائيل. لكن حرب إيران أثبتت أن هاتين الركيزتين ليستا مجرد غير كافيتين، بل أصبحتا عبئاً إضافياً.
فالقواعد الأمريكية لم تتحول إلى درع يحمي المدن الخليجية، بل إلى مغناطيس يجذب الصواريخ والمسيرات الإيرانية. فالإمارات – التي تستضيف قواعد حساسة – تلقت أكبر عدد من الهجمات بعد إسرائيل، وسقط قتلى وجرحى مدنيون، وتضررت بنية تحتية حيوية. باختصار: ثمن الاستضافة أصبح باهظاً، والمقابل الأمني صفر.
أما اتفاقيات إبراهيم، فلم تمنع الطيران الإيراني من اختراق الأجواء الخليجية، ولم تردع طهران عن استهداف أراضي الدول الموقعة عليها. والأخطر أن الرأي العام الخليجي الآن يعادي إسرائيل بشدة بسبب حربها الموسعة، مما يجعل أي تقدم في التطبيع – حتى لو أرادته الحكومات – مستحيلاً سياسياً. والسعودية، التي كانت تشترط طريقاً جاداً لإقامة دولة فلسطينية، تجد اليوم أن موقفها كان محقاً، وأن الضغط الأمريكي عليها لتطبيع سريع لم يكن يراعي المصالح الخليجية الحقيقية.
والأدهى من ذلك كله: أن الحرب كشفت انقساماً خليجياً عميقاً. فالإمارات تطالب واشنطن "بإنهاء المهمة" ضد إيران، بينما السعودية تقود تحالفاً جديداً مع تركيا ومصر والأردن وقطر وباكستان لمواجهة التوسع الإسرائيلي ودعم حل الدولتين. هذا الانقسام يعني أنه حتى الغضب المشترك ضد إيران لن ينتج سياسة أمنية خليجية موحدة.
الخلاصة التي يقدمها تقرير "كارنيغي" قاسية لكنها صادقة: نظام الحماية الأمريكية القديم انتهى. والرهان على إسرائيل لم يحقق أمناً، بل زاد تعقيداً. دول الخليج اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحمل مسؤولية أمنها بنفسها من خلال تحالفات إقليمية جديدة وقدرات ردع ذاتية، أو أن تظل رهينة معادلات لم تعد صالحة. والخيار الأول هو الطريق الوحيد لتجنب كوارث مستقبلية.