واشنطن و
مقالات
واشنطن و"دبلوماسية التفويض", هل يسقط الدستور اللبناني أمام شروط "نزع السلاح"؟
عدنان علامه
15 نيسان 2026 , 19:38 م

بقلم: عدنان علامه

عضو الجمعية الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

​تتسارع خطى الدبلوماسية في أروقة واشنطن، حاملةً معها تساؤلات قانونية وسيادية كبرى تتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية. فبينما يجلس السفراء خلف طاولات وضعت بعناية فائقة على شكل U، لتحمل رمزية لهيمنة أمريكا على المفاوضات مع غياب العلم الصغير لكل وفد.

وهنا يبرز تساؤل جوهري حول الشرعية الدستورية لهذه التحركات، ومدى توافقها مع ميثاق الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، خاصة في ظل "الفيتو" الإسرائيلي الذي يرهن أي اتفاق بخطة ملموسة لنزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية.

​أولاً: المأزق الدستوري وصلاحيات "الوكيل" الدبلوماسي

ف​من الناحية القانونية الصرفة، يواجه حضور أي تمثيل لبناني في مفاوضات مع دولة مصنفة دستورياً بأنها "عدوة" إشكاليات عميقة:

1-1 ​قانون مقاطعة إسرائيل (1955): لا يزال هذا القانون ساري المفعول، وهو يحظر صراحة أي اتصال أو تفاوض مباشر أو غير مباشر يهدف إلى "التطبيع" أو تجاوز حالة العداء دون غطاء قانوني استثنائي.

1-2 ​المادة 52 من الدستور

إن حصر صلاحية المفاوضة برئيس الجمهورية (بالاتفاق مع رئيس الحكومة) يجعل من أي دور للسفراء دوراً تنفيذاً تقنياً بحت، وليس تقريرياً. فالسفير لا يملك "الأصالة" في التفاوض مع عدو تاريخي، وأي خروج عن التفويض الرسمي الصريح يُعد تجاوزاً للدستور واعتداءً على السيادة.

1-3 ​تجاوز اتفاقية الهدنة (1949)

بالعودة إلى "وثيقة الطائف" (الفقرة الثالثة)، نجد تأكيدًا صريحا على العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949.

1-4 قانونياً

الهدنة هي الحالة الوحيدة المعترف بها دولياً لتنظيم العلاقة مع العدو، وأي قفز نحو "اتفاقات سلام شاملة" أو "ترتيبات أمنية جديدة" يعد انقلاباً على المرجعية القانونية التي قامت عليها الدولة اللبنانية ما بعد الحرب.

​ثانياً: المقايضة الإسرائيلية.. "الأمن مقابل الوجود"

​تتجلى الخطورة في هذه المفاوضات من خلال الشرط الإسرائيلي المعلن، والذي يسعى لفرض واقع ميداني وسياسي جديد تحت وطأة النار:

2-1 ​شرط نزع السلاح

تصر تل أبيب على وجود "خطة ملموسة" لتفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله كشرط مسبق لأي اتفاق طويل الأمد. هذا الشرط لا يمثل مطلباً أمنياً فحسب، بل هو محاولة لفرض "تعديل دستوري فعلي" عبر ممارسة ضغوط دولية لتغيير عقيدة لبنان الدفاعية.

2-2 ​التفاوض تحت النار

إن استمرار العمليات العسكرية الميدانية، كما شهدنا في "بنت جبيل" مؤخراً، بالتزامن مع طاولة المفاوضات، يفرغ العمل الدبلوماسي من محتواه القانوني ويحوله إلى "إملاءات" تحت التهديد، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تبطل أي اتفاق يُنتزع تحت الإكراه.

​ثالثاً: لماذا يتم تهميش القرار 1701 واتفاق 27 نوفمبر؟

​رغم أن القرار 1701 يمثل المرجعية الدولية المقبولة، إلا أن الضغط الأمريكي الحالي يتجه نحو صياغة "واقع بديل" يتجاوز الثغرات التي تراها واشنطن في الاتفاقات السابقة.

فالهدف الأمريكي واضح: استبدال "الهدنة الهشة" بـ "ضمانات تنفيذية قسرية" تمنح الإحتلال مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها بالكامل في الميدان.

وفي المحصلة، إن العودة إلى الدستور اللبناني والتزاماً بنص "اتفاق الطائف" يتطلبان التمسك باتفاقية الهدنة كإطار وحيد، ورفض أي شروط تمس بسلاح المقاومة كجزء من المنظومة الدفاعية قبل تحقيق الانسحاب الكامل والشامل.

وإن أي تفاوض يخرج عن هذا الإطار، لا يفتقر للغطاء الشعبي فحسب، بل يسقط في فخ "اللاشرعية الدستورية".

وإنَّ غدًا لناظره قريب

15 نيسان / أبريل 2026