بين الإذعان والسيادة ..خطاب عون كبيان استسلام مقنّع وانبطاح مكشوف..؟!
مقالات
بين الإذعان والسيادة ..خطاب عون كبيان استسلام مقنّع وانبطاح مكشوف..؟!
عباس المعلم
17 نيسان 2026 , 23:19 م

بقلم ( عباس المعلم )

في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس الخطب ببلاغتها اللفظية، بل بقدرتها على تمثيل موازين القوى التي تقف خلفها. فحين تختلّ المعادلة بين الكلمة والسيادة، يتحوّل الخطاب من أداة تعبير إلى مرآة انكشاف، تكشف ما يُراد ستره أكثر مما تُعلن ما يُراد قوله. من هذا المنظور، يُقرأ خطاب جوزيف عون لا كحدث عابر، بل كمؤشر بنيوي على اتجاه سياسي يُعاد رسمه تحت ضغط الخارج، وعلى حساب الداخل.

أطلّ جوزيف عون بخطابٍ مرتبكٍ في بنيته، هشٍّ في مضمونه، لا يليق بموقعٍ يُفترض أنه الحارس الأعلى لتوازنات وطنٍ مركّب كلبنان. والأخطر من ضعف الصياغة، كان الانحدار في مستوى التخاطب مع مكوّن أساسي من الشعب اللبناني، مكوّنٍ راكم، على مدى أربعة عقود، تضحياتٍ جساماً في مواجهة عدوٍّ لم يُخفِ يوماً أطماعه التوسعية في الأرض والثروة والسيادة. هذه التضحيات، التي يفترض أن تُصان كجزء من السردية الوطنية الجامعة، جرى تبسيطها وتسطيحها إلى حدّ اتهامها بأنها في خدمة “محاور الآخرين”.

والمفارقة الصارخة أن هذا الاتهام يصدر عن رئيسٍ يبدو، في سلوكه السياسي، الأكثر انطباقاً على توصيف “رئيس الآخرين”، لا من باب المجاز، بل من خلال انكشاف غير مسبوق في مستوى الامتثال للإرادة الأمريكية. امتثالٌ فجّ، تجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، وأسقط حتى الأقنعة الشكلية التي درجت الرئاسات السابقة على التمسك بها.

وقف عون في إطارٍ إخراجيٍ هزيل، لا يرقى حتى إلى الحدّ الأدنى من الحرفية، فضلاً عن أن يعبّر عن ثقة أو اقتناع. ارتباكٌ ظاهر، نبرةٌ مترددة، وجسدٌ سياسي لا يسنده مضمون. أما ما قيل، فلم يكن سوى سلسلة مقدماتٍ مفككة، لا ترتبط بسياقٍ راهن، ولا تخدم هدفاً خطابياً واضحاً، لتنتهي إلى خلاصة واحدة: تمهيدٌ سياسي وإعلامي لإذعانٍ مرتقب.

ذلك الإذعان يتجلى في الاستعداد لتلبية طلب دونالد ترامب بالذهاب إلى البيت الأبيض، وفتح الباب أمام لقاء مع بنيامين نتنياهو، الذي يحتاج هذه الصورة كإنجازٍ دعائي يُرمّم به موقعه الداخلي. في المقابل، لا مؤشرات على أن عون يحمل مشروع تفاوض أو رؤية سيادية؛ بل العكس، ثمة ما يوحي بأنه ذاهب لتلقي التعليمات، لا لفرض الشروط، حتى لو تعارضت هذه التعليمات مع أبسط معايير السيادة، وعلى حساب دماء عشرات آلاف اللبنانيين، وخراب مئات البلدات التي لم تجفّ آثار العدوان عنها بعد.

استحضار عبارة أنور السادات بعد حرب تشرين 1973 ليس بريئاً في هذا السياق. فالسادات، مهما اختلف التقييم، ذهب إلى خياره وهو يمتلك ورقة قوة عسكرية وسياسية، وجيشاً خرج من حربٍ أعاد فيها رسم قواعد الاشتباك. أما جوزيف عون، فيُفهم من خطابه أنه يتجه إلى لقاء نتنياهو من موقع التخلّي عن ورقة القوة الوحيدة المتبقية في لبنان: المقاومة وسلاحها. هنا لا يكون الفارق في الأشخاص فقط، بل في المعادلة بكاملها—بين من فاوض من موقع قوة، ومن يفاوض من موقع تفريط.

ما كُشف في الخطاب يتجاوز حدود التلميح: قرارٌ شبه محسوم بتنفيذ الإملاء الأمريكي، من دون غطاء وطني جامع، ومن دون تصور لاتفاقٍ متوازن يمكن الدفاع عنه. وهذا المسار، إذا ما استُكمل، لن يتوقف عند حدود اللقاء، بل قد ينفتح على خطواتٍ أكثر خطورة: من زيارة الكيان، إلى تطبيعٍ مُقنّع، وصولاً إلى مشهدٍ عبثي قد يُدعى فيه نتنياهو إلى بيروت، فوق ركام مدنٍ دمّرها، وعلى حساب دماءٍ لم تُوارَ بعد.

الخلاصة قاسية، لكنها ضرورية: ما يجري ليس مجرد زلّة خطاب، بل انحدار في تعريف موقع الرئاسة ودورها. وحين تتحول الرئاسة من موقع صون السيادة إلى منصة تبرير للتنازل، يصبح الكلام عن “الاستسلام” توصيفاً دقيقاً لا مبالغة فيه، و”الانبطاح” سياسة لا شتيمة. عندها، لا يعود السؤال عمّا سيفعله الخارج بلبنان، بل عمّا تبقّى في الداخل ممّا يستحق الدفاع عنه.

عباس المعلم - كاتب سياسي