بقلم ( عباس المعلم )
ديناميات الخداع التفاوضي وتحوّلات الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاساته على المسرح اللبناني
في أعقاب مبادرة باكستان، التي طُرحت كقناة وسيطة منخفضة الكلفة السياسية بين واشنطن وطهران، جرى تقديم إطار أولي لاحتواء التصعيد المتسارع، عبر صيغة وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين. هذه الصيغة لم تكن اتفاقاً نهائياً بقدر ما شكّلت “ممر عبور إلزامي” قائم على شروط متبادلة، هدفها اختبار النيات وإعادة تموضع القوى قبل الانتقال إلى ترتيبات أوسع.
ضمن هذا السياق، برز إدراج الساحة اللبنانية كجزء لا يتجزأ من هندسة التهدئة، وهو تطور نوعي يعكس إدراكاً أميركياً متأخراً لوحدة ساحات الاشتباك. وقد أبلغت إسلام آباد طهران بقبول واشنطن تضمين لبنان في الاتفاق، لتقوم الأخيرة بنقل هذا الالتزام بشكل مباشر إلى حزب الله والرئيس نبيه بري، مطالِبةً بتطبيق فوري لوقف النار، تفادياً لمنح إسرائيل أي مبرر عملياتي لمواصلة عدوانها.
الاستجابة جاءت سريعة عبر تنسيق ميداني وسياسي بين الحزب وعين التينة، ما عكس التزاماً منضبطاً بقواعد الاشتباك الجديدة. إلا أنّ هذا الالتزام قوبل خلال ساعات بتصعيد إسرائيلي غير مسبوق من حيث الكثافة والانتشار الجغرافي، مستهدفاً بيروت وضاحيتها الجنوبية، إضافة إلى الجنوب والبقاع وجبل لبنان، مع ارتكاب مجازر متعددة في زمن قياسي—في مؤشر واضح على وجود قرار عملياتي مسبق بتوسيع بنك الأهداف، لا مجرد رد فعل ظرفي.
في موازاة التصعيد العسكري، تحرّكت سلطة جوزيف عون – نواف سلام ضمن مسار ضاغط على الثنائي الشيعي، عبر رسائل مباشرة وغير مباشرة تدعو إلى ضبط النفس وعدم الرد، وتأطير الهجوم الإسرائيلي ضمن “سلوك انتقالي” يسبق تثبيت وقف النار. غير أنّ التطورات الميدانية اللاحقة، ولا سيما المؤشرات على نية توسيع العمليات البرية انطلاقاً من بنت جبيل، وصولاً إلى كامل جنوب الليطاني، كشفت أن ما يجري يتجاوز فكرة “المنطقة العازلة” إلى محاولة فرض واقع أمني جديد بالقوة.
عند هذه النقطة، تكرّس إدراك واضح لدى فريق المقاومة بوقوع عملية خداع مركّبة، تتداخل فيها الإرادة الأميركية مع غطاء سياسي داخلي، بما يسمح باستمرار الضغط العسكري تحت مظلة تفاوضية. وعليه، جاء الرد سريعاً وتصاعدياً، حيث أعادت المقاومة تفعيل عملياتها الهجومية بعمق استراتيجي، طالت أشدود جنوب الكيان، في خطوة هدفت إلى إعادة ضبط ميزان الردع وفرض معادلة مقابلة.
هذا التحول الميداني أجبر واشنطن فعلياً نيابة عن تل أبيب على الانتقال إلى مقاربة احتواء عاجلة، عبر طلب وقف استهداف العمق الإسرائيلي مقابل تحييد بيروت والضاحية. وهي معادلة لم تكن نتاج قرار سياسي لبناني، بل نتيجة مباشرة لضغط العمليات وفعالية الردع الميداني.
في المرحلة التالية، سعى بنيامين نتنياهو إلى كسب هامش زمني إضافي، طالباً مهلة خمسة أيام لإنهاء مهمته في بنت جبيل وتوسيع نطاق السيطرة، وهو ما حظي بقبول أميركي وموافقة ضمنية من سلطة جوزيف عون – نواف سلام. إلا أنّ الفشل الميداني المتكرر أمام صلابة المقاومة أسقط هذا الرهان، وأعاد الأطراف إلى مربع البحث عن مخرج سياسي يحول دون تحوّل الإخفاق إلى هزيمة معلنة.
في هذا الإطار، أعادت واشنطن تفعيل القناة الباكستانية مع طهران، مبديةً استعدادها للانتقال إلى وقف إطلاق نار فعلي في لبنان. وجاء الرد الإيراني مشروطاً بثلاثة محددات استراتيجية: وقف شامل للعدوان، تثبيت خطوط التماس دون أي تقدم إسرائيلي، وإنهاء ما يُعرف بحرية العمل العسكري داخل لبنان. وقد حظيت هذه الشروط بقبول أميركي واضح، ما شكّل أساساً عملياً لإعلان التفاهم.
تبع ذلك مسار اتصالات مكثف: من السفير الإيراني في بيروت إلى قيادة حزب الله، ثم اتصال مباشر ومطوّل بين محمد باقر قاليباف والرئيس بري، سبق زمنياً اتصالات دونالد ترامب وماركو روبيو مع جوزيف عون، في دلالة واضحة على مركزية المسار الإيراني في تثبيت معالم الاتفاق.
غير أنّ إعلان دونالد ترامب التوصل إلى وقف إطلاق النار لم ينهِ التعقيدات، إذ سرعان ما ظهرت انقسامات داخل إسرائيل، حيث اعتُبر الاتفاق بمثابة تراجع استراتيجي أمام حزب الله. وتحت ضغط هذه التناقضات، سعى بنيامين نتنياهو إلى تعديل قواعد الاشتباك عبر انقلاب جزئي على التفاهم، يضمن وقف النار من طرف واحد.
وقد تجسّد هذا التحول ببيان صادر عن الخارجية الأميركية، منح إسرائيل غطاءً صريحاً لمواصلة عملياتها تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”، من دون أي توازن قانوني أو سياسي مع حق لبنان في الرد. وجاء هذا البيان بعد التأكد من التزام المقاومة بوقف النار وبدء عودة المدنيين إلى مناطقهم، ما يعكس توظيف التهدئة كأداة تكتيكية لإعادة إنتاج التفوق العملياتي.
وتعزّز هذا الانقلاب عبر توسيع التوغلات البرية والقصف المدفعي وعمليات الاغتيال والتدمير المنهجي للقرى الحدودية، بالتوازي مع خطاب جوزيف عون الذي وفّر غطاءً سياسياً لهذا المسار، من خلال تبنّي سردية تشرعن استمرار الضغط العسكري على بنية حزب الله، وفتح الباب أمام مقاربات تصادمية داخلية تتقاطع مع الشروط الإسرائيلية، لا سيما في ما يتعلق بربط أي مسار دعم دولي للبنان بمواجهة الحزب على المستويات كافة.
ما جرى لا يمكن اختزاله بخرق اتفاق أو سوء تقدير تكتيكي، بل يعكس نمطاً متكرراً من “إدارة الخداع التفاوضي”، حيث تُستخدم التهدئة كغطاء لإعادة التموضع العملياتي وفرض وقائع ميدانية جديدة. في المقابل، أظهرت الوقائع أنّ ميزان الردع في الساحة اللبنانية لم يعد يُحدَّد عبر التفاهمات الدبلوماسية، بل عبر القدرة على فرض كلفة استراتيجية على الخصم.
وعليه، فإن لبنان لم يكن ساحة ثانوية في هذا الاشتباك، بل تحوّل إلى عقدة مركزية في معادلة الصراع الإقليمي، حيث تتقاطع أدوات الضغط العسكري مع مسارات التفاوض، في لعبة مفتوحة على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، لا تثبيتها ، وبالتالي قرار حزب الله اليوم هو عدم القبول بالعودة إلى ما قبل ٢ اذار مهما كلف الأمر بالتوازي اتخذ قرارا على المستوى السياسي بمواجهة ما يعتبره الحزب انقلاب على الصيغة وتركيبة لبنان وسيادته الذي يقوده بشكل فج كل من جوزيف عون ونواف سلام دون اي خجل او حتى تقدير لعواقب واكلاف هذا الخيار الانتحاري من اشخاص مركبة من الخارج لا تحظى باي حيثية او تاثير شعبي داخلي ، وما يشكله هذا الخطر من شخصيات وظيفية للخارج لا تراعي الحد الادنى من المصالح الوطنية ..
عباس المعلم - كاتب سياسي