* البشير عبيد / تونس
لم يعد ممكناً التعامل مع التحولات الجارية في المنطقة بوصفها سلسلة من الأحداث المنفصلة أو ردود الفعل المتتابعة بين أطراف متنازعة، بل نحن أمام لحظة تاريخية تتشكل فيها ملامح نظام إقليمي جديد، يتجاوز في تعقيده كل ما عرفته المنطقة منذ عقود. هذا النظام لا يقوم على مركز واحد للقرار أو الهيمنة، بل على توازنات متحركة، تتقاطع فيها القوى الكبرى مع الفاعلين الإقليميين في شبكة شديدة السيولة.
في هذا السياق، يصبح سؤال “ما الذي يعنيه انتصار إيران؟” سؤالاً يتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، ليمسّ البنية العميقة للصراع: طبيعة القوة، وحدود الردع، وإعادة تعريف مفاهيم النصر والهزيمة ذاتها. فهل الانتصار هو الحسم العسكري؟ أم فرض الإرادة السياسية؟ أم القدرة على البقاء داخل قلب المعادلة رغم كل محاولات العزل والاحتواء؟ أم أن الأمر يتعلق بقدرة طرف ما على تعطيل مشاريع الخصوم وإجبارهم على إعادة صياغة حساباتهم باستمرار؟
إننا، في الواقع، أمام تحول يجعل من فكرة “الانتصار” مفهوماً نسبياً، مفتوحاً، وغير مكتمل، يرتبط بقدرة الفاعل على الاستمرار داخل دائرة التأثير، لا على إنهاء الصراع نفسه.
من منطق الحسم إلى هندسة الصراع المفتوح
من أبرز سمات المرحلة الراهنة في المنطقة أن منطق الحسم النهائي بدأ يتراجع لصالح منطق “الصراع المفتوح”. لم تعد الحروب تُخاض بهدف تحقيق نصر كامل ونهائي، بل بهدف تحسين شروط التفاوض، وإعادة توزيع النفوذ، وفرض معادلات جديدة على الأرض. هذه النقلة ليست تقنية فقط، بل هي تحول في فلسفة القوة نفسها.
في هذا الإطار، تبدو إيران فاعلاً استطاع أن يتكيف مع هذا التحول، بل وأن يوظفه لصالحه في أكثر من ساحة. فبدلاً من الدخول في مواجهات تقليدية مباشرة مع منظومة القوة الغربية، اختارت طهران مساراً أكثر تعقيداً يقوم على الصبر الاستراتيجي، وبناء النفوذ التدريجي، وتوسيع دوائر التأثير عبر أدوات سياسية وأمنية وغير مباشرة.
هذا المسار لم يكن بلا كلفة. فالعقوبات الاقتصادية الطويلة، ومحاولات العزل الدبلوماسي، والضغوط الأمنية المستمرة، كلها شكلت بيئة ضغط عالية الكثافة. ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه هو أن إيران لم تنكسر داخل هذه البيئة، ولم تنخرط في منطق الاستسلام أمام شروط الإمبريالية الأمريكية المتوحشة، بل واصلت إعادة إنتاج موقعها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.
إن هذا النوع من “الانتصار الصامت” لا يُقاس بعدد المعارك، بل بقدرة طرف ما على منع خصومه من تحقيق أهدافهم النهائية. فتعطيل مشروع الإقصاء قد يكون في حد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار، حتى لو لم يتحول إلى هيمنة كاملة.
ومن هنا، فإن المشهد الإقليمي لم يعد يسمح بوجود منتصر نهائي، بل بفاعلين ينجح كل منهم في تعطيل الآخر ضمن مسار طويل من إعادة التوازن المستمر.
الكيان الصهيوني الغاصب وتآكل منطق الردع
في قلب هذا التحول، يظل الكيان الصهيوني الغاصب أحد أبرز الفاعلين الذين تشكلت حولهم معادلة القوة في المنطقة لعقود طويلة. فقد تأسس دوره على فكرة التفوق العسكري النوعي، والردع المطلق، والقدرة على فرض قواعد الاشتباك من طرف واحد. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها.
فـ”إسرائيل”، رغم امتلاكها واحدة من أكثر المنظومات العسكرية تقدماً في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام بيئة استراتيجية أكثر تشظياً وتعقيداً. فالحروب لم تعد محصورة في جبهة واحدة، بل أصبحت متعددة الساحات، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الأمنية والإعلامية والسياسية، بما يجعل من الصعب تحقيق حسم نهائي لأي مواجهة.
إضافة إلى ذلك، فإن بروز قوى إقليمية قادرة على إدارة المواجهة غير المباشرة، وعلى استنزاف الخصم في أكثر من نقطة تماس، قد أسهم في إعادة تعريف مفهوم الردع ذاته. فلم يعد الردع يعني منع الحرب فقط، بل القدرة على التحكم في إيقاعها وكلفتها واستمراريتها.
في هذا السياق، يصبح أي تطور في قدرات إيران أو حلفائها الإقليميين جزءاً من عملية اختبار مستمرة لحدود هذا الردع. فالمسألة لا تتعلق بمواجهة مباشرة فقط، بل بإعادة رسم بيئة التوازن التي طالما استفاد منها الكيان الصهيوني الغاصب لعقود.
وهكذا، فإن ما يبدو “استقراراً أمنياً” من الخارج، يخفي في داخله تآكلاً تدريجياً في فعالية النموذج التقليدي للهيمنة العسكرية، وهو تآكل لا يظهر في لحظة واحدة، بل يتراكم بصمت حتى يصبح جزءاً من الواقع الجديد.
إيران بين مقاومة الإمبريالية وإعادة تعريف القوة
في هذا السياق المتشابك، تقدم إيران نفسها كفاعل يرفض الخضوع لمنطق الهيمنة الغربية، ويعيد تعريف موقعه داخل النظام الدولي بوصفه حالة مقاومة ممتدة ضد الإمبريالية الأمريكية المتوحشة، التي سعت عبر عقود إلى فرض نمط واحد من التبعية السياسية والاقتصادية على المنطقة.
لكن هذه المقاومة لا يمكن اختزالها في بعدها الشعاراتي، بل هي ترتبط ببنية استراتيجية تقوم على إعادة تشكيل مفهوم السيادة ذاته. فإيران لا تتحرك فقط كدولة تدافع عن مصالحها، بل كفاعل يسعى إلى كسر احتكار القوة العالمية وإعادة توزيعها على نحو أكثر تعددية، حتى وإن كان ذلك عبر مسارات طويلة ومعقدة.
هذا الموقع يمنحها حضوراً استراتيجياً متناقضاً: فهي من جهة تتعرض لضغوط هائلة تشمل العقوبات والعزل ومحاولات الاحتواء، ومن جهة أخرى تنجح في الحفاظ على شبكة تأثير إقليمي تجعل من تجاوزها أمراً غير ممكن عملياً في الحسابات السياسية الكبرى.
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذا “الصمود” ليس حالة ثابتة، بل عملية ديناميكية مستمرة، تتطلب إعادة توازن دائمة بين الداخل والخارج، وبين الإمكانيات والضغوط. فالقوة هنا ليست مطلقة، بل نسبية، تتغير وفق السياقات والتحولات.
في المقابل، فإن مفهوم “الانتصار” في الحالة الإيرانية لا يمكن فصله عن قدرتها على البقاء داخل قلب الصراع، وإجبار القوى الكبرى على التعامل معها كطرف أساسي لا يمكن تجاهله. وهذا بحد ذاته يمثل تحوّلاً في بنية النظام الإقليمي، الذي كان يقوم في السابق على إقصاء بعض الفاعلين أو تهميشهم.
إننا أمام مشهد تتداخل فيه القوة بالمقاومة، والسياسة بالاستراتيجية، حيث لا توجد نتائج نهائية، بل مسارات مفتوحة على احتمالات متعددة، يظل فيها ميزان القوى في حالة إعادة تشكيل دائمة.
لا يمكن فهم “انتصار إيران” بمعزل عن هذا التحول البنيوي الأوسع الذي يشهده النظام الإقليمي والدولي. فنحن لا نعيش لحظة حسم، بل لحظة تفكك للثوابت القديمة وصعود توازنات جديدة أكثر هشاشة وتعقيداً. وفي هذا العالم المتغير، لم يعد الانتصار حدثاً نهائياً، بل أصبح قدرة مستمرة على البقاء في قلب اللعبة.
* كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.