تاريخ الحلقة: 17.04.2026
*مقدمة*
يأتي طرح ميخائيل عوض حول معادلة “ترامب – إيران: غزل فزواج متعة” بوصفه محاولة لتفكيك لحظة انتقال دقيقة في بنية الصراع الدولي، حيث لم تعد المواجهة تُدار بمنطق الحرب المفتوحة أو التسويات النهائية، بل بمنطق إدارة التناقض عبر الصفقات المرحلية والرسائل المتناقضة. في هذا السياق، يظهر سلوك دونالد ترامب تجاه إيران كتحول من خطاب الردع والضغط إلى خطاب الإيحاء والانفتاح المشروط، ما يعكس، في قراءة عوض، انتقالاً من استراتيجية الحسم إلى استراتيجية إعادة التسعير السياسي والاقتصادي للصراع.
في المقابل، لا تتعامل إيران مع هذا التحول بوصفه بداية مسار سلام، بل كمرحلة جديدة من إدارة الاشتباك الطويل، حيث يتم استثمار التناقضات الأمريكية، وتوظيف الزمن، وتحويل التفاوض نفسه إلى ساحة استنزاف إضافية. ومن هنا، لا يعود “الغزل” مجرد لغة دبلوماسية، بل يصبح أداة ضمن هندسة أوسع لإعادة توزيع موازين القوة قبل أي استقرار محتمل.
*أولاً: الحرب التي تُنتج عكس نتائجها*
ينطلق عوض من قاعدة تحليلية شديدة الأهمية:
"ليس كل منتصر رابح، وليس كل مهزوم خاسر."
هذه الفكرة تضعنا أمام مستوى أعمق من قراءة الحروب؛
فالحرب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة بل بقدرتها على إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية.
في هذا السياق، يرى عوض أن الحرب الأخيرة وإن
استنزفت قوى كبرى (أمريكا – إسرائيل – حلفاء إقليميين)
وأنتجت تحولات بنيوية في النظام الإقليمي والدولي إلا أنها لا زالت تفتقر لعامل الحسم بظهور منتصر واضح لا لبس فيه أسقط أهداف الخصم وفرض شروطه وحقق أهدافه.
ويجدد عوض التحذير من أن أداء محور الخير والمقاومة الإبداعي في هذه الحرب إن لم يترجم بالإنجاز على الأرض فهو عرضة للتبدد بل والاستثمار من المعتدي الخاسر ليصنع صورة نصره بمصادرة واقع نصر إيران وحلفائها.
*ثانياً: وقف النار في لبنان – بين الحقيقة الواضحة والخطاب المرتهن*
يشدد عوض على التفريق بين:
الخطاب السياسي الرسمي
والواقع الميداني الفعلي.
في الواقع والمعطيات فإن وقف إطلاق النار في لبنان ليس إنجازاً دبلوماسياً استعراضياً لحكومة لا تملك القرار، وضعت يدها في يد العدو الملطخة بدماء الشعب وادعت أنها صنعت إنجاز وقف النار.
بل نتيجة الأداء القتالي النوعي “رجال الله” في الميدان و
صمود البيئة الحاضنة رغم تعاظم التضحيات والمعاناة، و
الموقف الإيراني الصادق والمبدئي عن تلازم المسار التفاوضي كما كانت وحدة الجبهات القتالية.
أما الخطاب الرسمي الذي تجاهل هذه العوامل، فيراه
إعادة إنتاج لخطاب كامب ديفيد جديد ويستحضر هنا رمزياً تجربة أنور السادات حين ذهب إلى الكنيست وبدء بعدها انهيار الأمة وتراجع الدور المصري وغياب مصر الذي امتد حتى اليوم.
يرى عوض أن هناك فجوة بين من صنع التوازن ومن يحاول الاستثمار السياسي فيه.
*ثالثًا: ترمب ... عقل السمسار وإيران... عقل التاجر الطويل النفس*
يقرأ عوض المعطيات التي تتحكم بمسار الحرب وانعكاساتها الإقليمية والدولية بمقارنة بين عقلي الصراع.
ترمب الذي يعمل باستراتيجية “الرئيس المجنون” فيطلق تصريحات متناقضة ويخلق فوضى إدراكيةلإرباك الخصم،
ويفكر بعقل السمسار فيستخدم الحرب والأسواق لتحقيق أرباح
ويتلاعب بأسعار النفط والأسهم
تحويل السياسة إلى صفقات مالية.
ترامب لا يدير حرباً ، بل سوقاً عالمياً مفتوحاً على المضاربة.
في المقابل يقدّم ميخائيل عوض قراءة لطبيعة السلوك الإيراني بوصفه امتداداً لعقل “تجاري-حضاري” متراكم، لا يتحرك بردّات الفعل الآنية، بل بمنطق إدارة الزمن كأداة قوة.
فإيران، في نظره، لا تدخل الصراع بهدف الحسم السريع أو تسجيل انتصار إعلامي، بل بهدف إعادة تشكيل موازين القوى عبر الاستنزاف البطيء، حيث يتحول الوقت ذاته إلى ساحة معركة.
هذا “النَفَس الطويل” ينعكس في قدرتها على إدارة التفاوض كمسار مرحلي متدرّج، لا كصفقة نهائية. فهي لا تبحث عن اختراق واحد حاسم، بل عن سلسلة من المكاسب الصغيرة المتراكمة التي، مع الزمن، تُنتج تحوّلاً استراتيجياً كبيراً. لذلك تميل إلى إبقاء الأبواب مفتوحة، والمفاوضات قائمة، والتوتر مضبوطاً عند مستوى يسمح بالضغط دون الانفجار الشامل.
في المقابل، يضع عوض سلوك دونالد ترامب في إطار مختلف تماماً، حيث يتصرف بمنطق “السمسار” الذي يسعى إلى إنجاز صفقة سريعة، حتى لو تطلّب ذلك استخدام أقصى درجات الضغط أو التصعيد. هذا النمط يقوم على الاندفاع، والمفاجأة، وتكثيف الأدوات بهدف فرض نتائج عاجلة يمكن تسويقها سياسياً أو اقتصادياً.
هنا تتضح المفارقة الجوهرية:
إيران تُدير الصراع كـ”ماراثون”، بينما يُديره ترامب كـ”سباق قصير”.
إيران تستثمر في الزمن، بينما يحاول ترامب اختصاره.
إيران تستنزف الخصم تدريجياً حتى يقدّم التنازلات، بينما يحاول ترامب انتزاع هذه التنازلات دفعة واحدة عبر الضغط.
ومن هذا التباين، يستنتج عوض أن ميزان القوة لا يُحسم فقط بما تملكه الأطراف من قدرات، بل بكيفية استخدام هذه القدرات ضمن الزمن. فالقوة التي تُستنزف على عجل قد تفقد فعاليتها، بينما القوة التي تُدار بصبر يمكن أن تتحول إلى نفوذ متراكم يصعب كسره.
بهذا المعنى، لا تبدو إيران في موقع ردّ الفعل، بل في موقع إدارة إيقاع الصراع، حيث تُبطئه حيناً، وتُسرّعه حيناً آخر، بما يخدم هدفها النهائي: تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، حتى لو بدت التنازلات المرحلية وكأنها تراجع تكتيكي.
*رابعًا: ترامب – إيران: “غزل فزواج متعة”*
يبني عوض قراءة مركّبة للعلاقة بين ترامب وإيران، تقوم على فكرة أن تبدل لغة ترمب ليس انتقالاً بسيطاً من التصعيد إلى التهدئة، بل تحوّل في طبيعة الصراع نفسه: من حرب مباشرة إلى هندسة صفقة سياسية–اقتصادية معقدة تُدار بلغة “الغزل” قبل أن تُترجم إلى اتفاقات قابلة للتدوير والمناورة.
يستخدم عوض تعبير “الغزل” للدلالة على مرحلة تليين مقصود من قبل في الخطاب والسلوك السياسي، حيث تنتقل الولايات المتحدة من خطاب “الردع الأقصى” إلى لغة الإيحاء بالانفتاح، والتلميح بإمكانية التسوية، بل وحتى إعادة تعريف الخصم من “عدو استراتيجي” إلى “طرف تفاوضي ممكن”. هذا التحول، في قراءته، لا يعكس تغيراً أخلاقياً أو سياسياً بقدر ما يعكس إعادة تموضع تكتيكي مرتبط باستنفاد أدوات الضغط التقليدية، وفشل تحقيق الحسم عبر القوة أو عبر الوكلاء الإقليميين.
في المقابل، تظهر إيران في هذا المشهد بوصفها طرفاً لا يتعامل مع “الغزل” كإغراء عاطفي، بل كـ أداة تفاوضية قابلة للاستثمار بحذر ويقظة. فهي، بحسب توصيفه، تدير هذا التفاعل بعقل طويل النفس، يميّز بين الخطاب والمضمون، ويستخدم التناقضات الأمريكية كمساحات مناورة، لا كمؤشرات حسن نية. وبالتالي، فإن ما يبدو “تقارباً” في الخطاب، يتحول في الواقع إلى ساحة اختبار متبادل للحدود والقدرات والالتزامات.
ويذهب عوض أبعد من ذلك حين يصف هذا المسار بأنه أقرب إلى “زواج متعة سياسي”: علاقة مؤقتة، مشروطة، ومحدودة الزمن، تقوم على تبادل مصالح دقيقة، دون أن تصل إلى مستوى الثقة الاستراتيجية أو الاندماج البنيوي. في هذا التصور، لا يوجد مشروع شراكة طويلة الأمد، بل صفقات مرحلية تُفتح وتُغلق بحسب ميزان القوى والظروف الدولية، مع بقاء احتمال العودة إلى التصعيد قائماً في أي لحظة.
ويضع عوض هذا المسار ضمن منطق أوسع للحرب المعاصرة، حيث لم تعد المواجهة تُحسم في الميدان العسكري فقط، بل عبر:
- إدارة الأسواق والاقتصاد العالمي (النفط، الدولار، العقوبات)
- توظيف الزمن كأداة ضغط (المهل، الانتخابات، الاستحقاقات الداخلية)
- استخدام التفاوض كجبهة موازية للحرب وليس بديلاً عنها
في هذا السياق، يصبح “الغزل” ليس مقدمة سلام، بل مرحلة إعادة توزيع أوراق القوة قبل تثبيت أي صيغة نهائية. وهو ما يفسر، في قراءته، التناقض الظاهري في الخطاب الأمريكي: تهديد حاد يتبعه انفتاح مفاجئ، ووعيد يترافق مع إشارات تفاوض، في نمط يعكس عقل “السمسار السياسي” الذي يعيد تسعير الصراع باستمرار.
أما إيران، فهي تدخل هذا المسار من موقع مختلف: موقع الدولة التي تراكم نفوذها عبر الاستنزاف، وتستثمر في طول أمد التفاوض، وتعتبر أن أي اتفاق لا يُترجم إلى تغيير جذري في موازين القوى هو مجرد هدنة قابلة لإعادة التدوير.
من هنا، يصل عوض إلى خلاصة مفادها أن العلاقة بين الطرفين ليست ذهاباً نحو تسوية مستقرة، بل نحو إدارة صراع مُقنّن ، حرب منخفضة الشدة في الخلفية، وصفقات متقطعة في الواجهة، وغزل سياسي يُستخدم كأداة لتمرير الوقت وإعادة التموضع، لا كمدخل لإنهاء التناقض.
وبذلك، يتحول “الغزل” إلى جزء من بنية الصراع نفسها، لا نقيضاً له، فيما يبقى “زواج المتعة” مجرد صيغة مؤقتة لإدارة التناقضات، لا لحلّها.
*خامسًا: صفقة اليورانيوم – من منطق الحرب إلى منطق السوق...إيران قد تبيع اليورانيوم لكنها ستحتفظ بالمعرفة النووية*
في هذا المحور، يقدّم عوض تحولاً بالغ الدلالة في طبيعة التفكير الاستراتيجي للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يتم الانتقال من مقاربة “الخطر النووي” بوصفه مبرراً للحرب والردع، إلى مقاربة جديدة تقوم على تحويله إلى ملف اقتصادي قابل للتسعير والتبادل.
في هذا السياق، يبرز عرض ترمب عن إمكانية أن تقوم واشنطن بشراء اليورانيوم المخصب من إيران، لا باعتبارها مجرد تفصيل تفاوضي، بل كإشارة إلى إعادة تعريف جوهر الصراع نفسه: من مواجهة عسكرية–أمنية إلى سوق للصفقات والبدائل المالية.
هذا التحول، في قراءة عوض، يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهو أولاً يعني عملياً نقل مركز الثقل من منطق “منع التخصيب” إلى منطق “إدارة التخصيب”، أي الاعتراف الضمني بوجود قدرة إيرانية قائمة لا يمكن إلغاؤها بالقوة، بل يمكن فقط تنظيمها ضمن قواعد وتبادلات.
وثانياً، يفتح الباب أمام تثبيت معادلة غير معلنة مفادها أن إيران، عبر صمودها وتراكم قدراتها، أصبحت طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي صيغة نووية، بل طرفاً يُتعامل معه كمالك لمورد استراتيجي قابل للتداول.
في هذا الإطار، يتحول “الخطر النووي” من خطاب تعبوي وأمني إلى أصل اقتصادي يمكن إدراجه ضمن منطق السوق الدولية، حيث تصبح المادة المخصبة نفسها سلعة قابلة للبيع أو التبادل أو إعادة التوظيف، بما يعيد صياغة العلاقة بين القوة والسيادة.
وهذا التحول، إن تحقق، يعني ضمنياً انتقال الصراع من مستوى الإلغاء إلى مستوى التنظيم، ومن منطق المواجهة إلى منطق التسعير.
غير أن العقدة الأساسية التي يسلط عليها عوض الضوء تكمن في طبيعة المقابل المالي المحتمل: هل ستُعامل هذه الصفقة على أنها تعويضات سياسية عن حرب وضغوط طويلة؟ أم أنها مجرد إعادة تدوير لأموال إيرانية مجمدة أصلاً في النظام المالي الغربي؟
هنا يتكشف جوهر الإشكال، لأن تحديد مصدر الأموال ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو في الحقيقة تحديد لمن يمتلك زمام المبادرة في تعريف العلاقة الجديدة: هل هي علاقة تنازل من طرف إلى آخر، أم علاقة تبادل بين ندّين ضمن ميزان قوى متغير؟
بهذا المعنى، لا يقرأ عوض فكرة “شراء اليورانيوم” وقبول إيران بيعه كحل تقني لمشكلة نووية، بل كعلامة على تحول أعمق في بنية النظام الدولي نفسه، حيث تتراجع لغة الحظر المطلق لصالح لغة التسويات التجارية المؤطرة سياسياً. وهو ما يعكس، في جوهره، انتقال الصراع من منطق “منع القوة” إلى منطق “تسعير القوة”، ومن محاولة احتكار القرار النووي إلى محاولة إدخاله في دورة تبادل تخضع لمعادلات السوق والضغط المتبادل.
وبذلك، تصبح الصفقة المحتملة – إن هي حصلت – أكثر من مجرد اتفاق نووي؛ إنها تعبير عن إعادة هندسة العلاقة بين الحرب والاقتصاد، بين الردع والتجارة، وبين السيادة والابتزاز المالي المقنّن.
*سادسًا: لبنان “جزيرة إبستين الترمبية”*
في طرح جريء ويتجاوز سقف محددات العقل وقيوده ينتقل عوض إلى توصيف طبيعة العلاقة التي تريدها أمريكا من لبنان ببراغماتية حادة وصادمة فإذا كانت إيران قوة محرمة ومخيفة تقترب منها أمريكا بغزل وتتودد لها بزواج مؤقت شرعي، فالعلاقة مع لبنان اغتصاب ولكي يتحقق ذلك لا بد أن يكون لبنان جزيرة ترمب الابستينية.
ويستند عوض إلى ما يراه أمرا مريبا بين اهتمام ترمب بلبنان وتصريحه عن أنه من سيهتم بأمور لبنان إلى لغة الرئيس عون الغريبة التي وصف فيها ترمب بأنه صديقه.
*1: من الغزل إلى الاختراق – تفكيك الاستعارة*
يستخدم عوض تعبيراً صادماً ومقصوداً: “جزيرة إبستين الترمبية”، في إحالة إلى جيفري إبستين، لكن ليس بوصفه توصيفاً أخلاقياً حرفياً، بل كاستعارة سياسية مكثّفة.
المعنى هنا كما كانت “جزيرة إبستين” فضاءً مغلقاً تُدار فيه علاقات التوحش والابتزاز بعيداً عن القانون، يُخشى أن يتحول لبنان إلى مساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي غير المنضبط، تُدار فيها الصفقات، وتُفرض فيها الإرادات، خارج السيادة الفعلية.
*2: الغزل الترامبي – بوابة السيطرة الناعمة*
يرى عوض أن خطاب دونالد ترامب تجاه لبنان لا يمكن قراءته بسطحية: الإشادة بلبنان
والحديث عن “إعادته عظيماً”
إظهار الاهتمام المفاجئ
كلها ليست، في نظره، تعبيرات دعم بريئة، بل: مرحلة أولى من استراتيجية “الإغراء”
أي تليين البيئة السياسية
لخلق قابلية داخلية للتجاوب
وتمهيد الأرضية لتدخل أعمق.
*3: ثلاثية الاختراق – الإغراء، الإخضاع، إعادة التشكيل*
يفكك عوض المسار المتوقع إلى ثلاث مراحل مترابطة:
1. الإغراء: وعود بالدعم المالي، إعادة الإعمار، استعادة “لبنان المزدهر”
2. الإخضاع: ربط الاقتصاد بالمساعدات المشروطة والضغط السياسي عبر المؤسسات ثم إعادة تعريف “الشرعية” وفق معايير خارجية وبتدخل دولي.
3. إعادة التشكيل: عبرإنتاج سلطة سياسية جديدة وتفكيك مراكز القوة القائمة ثم تحويل الدولة إلى هيكل إداري تابع.
*4: لماذا لبنان تحديداً؟*
يعتبر عوض أن لبنان ليس مجرد ساحة جانبية، بل:
نقطة تماس بين مشاريع كبرى
وعقدة توازن بين محور المقاومة والنفوذ الغربي
والمصالح الإقليمية
كما يتميز بـ:
- هشاشة بنيوية في الدولة
- انقسام سياسي عميق
- اقتصاد قابل للابتزاز
- حكومة مرتهنة بأوامر الأمريكي والإسرائيلي
وهذه العوامل تجعل لبنان
بيئة مثالية لتجربة نموذج السيطرة الناعمة.
*5: من الحرب إلى ما بعدها – سرقة نتائج الانتصار*
في طرح عوض، المشكلة ليست في نتائج الحرب بحد ذاتها، بل في ما بعد الحرب، حيث يرى أن: ما عجزت عنه القوة العسكرية الإسرائيلية،
قد يُنجز عبر الضغط في
- السياسة
- الاقتصاد
- إعادة هندسة السلطة
أي أن الخطر الحقيقي هو
تحويل الإنجاز الميداني إلى خسارة سياسية.
*سادساً: نموذج “الجزيرة” – ماذا يعني عملياً؟*
عندما يقول عوض إن لبنان يريده ترمب “جزيرة إبستين الترمبية ”، فهو يقصد:
1. فقدان السيادة الفعلية
القرارات تُتخذ خارجياً
الداخل يكتفي بالتنفيذ
2. اقتصاد مرتهن
التمويل مقابل الشروط
المساعدات مقابل التنازلات
3. سلطة شكلية
واجهة سياسية بلا قرار
شرعية مستمدة من الخارج
4. ضبط المجتمع
تفكيك البنية الوطنية
إعادة تشكيل الوعي السياسي
سابعاً: العلاقة مع المشروع الأوسع
يربط عوض هذا السيناريو بمشروع إقليمي أوسع:
إعادة تشكيل دول المنطقة
إنتاج “سلطات وظيفية”
تفكيك مراكز القوة المستقلة
لبنان، في هذا السياق، ليس استثناءً، بل نموذج قابل للتكرار.
*8: التحذير المركزي*
يصل عوض إلى خلاصة تحذيرية واضحة:
الخطر لا يأتي دائماً على شكل حرب…بل قد يأتي على شكل عرض مغرٍ.
أي أن الإغراء قد يكون أخطر من التهديد والاتفاق قد يحمل في طياته ما لم تحققه الحرب.
طرح “لبنان جزيرة إبستين الترمبية” ليس توصيفاً دعائياً، بل إطار تحليلي دقيق لفهم انتقال أدوات السيطرة من:
القصف إلى الصفقة
ومن القوة الصلبة إلى الهيمنة الناعمة
والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل يستطيع لبنان، بقواه ومجتمعه، أن يميّز بين الدعم الحقيقي…
ومحاولة تحويله إلى مساحة نفوذ مُدارة من الخارج؟
*سابعًا: العراق – مسرح الخطر القادم*
في هذا المحور، ينقل عوض مركز الثقل الاستراتيجي للصراع إلى العراق، باعتباره الساحة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، ليس لأنه ساحة مواجهة مباشرة فحسب، بل لأنه فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية لمحور المقاومة مع أدوات الضغط الغربية والإقليمية في آن واحد. فالعراق، في قراءته، لم يعد مجرد دولة ضمن بيئة إقليمية مضطربة، بل أصبح المسرح الأكثر قابلية لإعادة التشكيل الهادئ بعيداً عن الحرب المفتوحة.
تنطلق هذه الرؤية من ملاحظة مؤشرات متصاعدة، أبرزها: إسقاط مرشح إيران المالمي وفرض أو التلويح بعقوبات على فصائل مسلحة، الدفع باتجاه إعادة تعريف شرعية السلاح، ومحاولات متدرجة لفتح ملف “حصرية القوة” تحت عناوين الدولة والنظام العام. هذه الإجراءات، كما يقرأها عوض، لا تهدف إلى مواجهة عسكرية مباشرة، بل إلى تفكيك البنية التراكمية لقوى المقاومة من الداخل عبر أدوات قانونية وسياسية واقتصادية.
في هذا السياق، يظهر الهدف الاستراتيجي الأعمق: إعادة إنتاج نموذج سلطة عراقية “مقيدة السيادة”، أي دولة ذات واجهة مؤسساتية رسمية، لكنها مرتبطة عضوياً بمراكز قرار خارجية، وتفتقر إلى القدرة الفعلية على التحكم الكامل في أدوات القوة الاستراتيجية على أراضيها. هذا النموذج، في رؤية عوض، لا يُطرح كاحتلال مباشر أو وصاية تقليدية، بل كصيغة حديثة من الانتداب غير المعلن، حيث تُدار الدولة من الداخل عبر توازنات محسوبة تُبقيها قائمة شكلياً وضعيفة وظيفياً في آن واحد.
الغاية من هذا المسار لا تقتصر على إعادة ترتيب الداخل العراقي، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى إقليمي أوسع يتمثل في تفكيك محور المقاومة عبر ضرب حلقته الأكثر عمقاً وامتداداً جغرافياً. فالعراق، بوصفه حلقة وصل بين إيران وبلاد الشام والعمق العربي، يشكل في هذا المنظور نقطة ارتكاز استراتيجية، وأي إعادة تشكيل فيه تنعكس تلقائياً على توازنات المنطقة بأكملها.
ويحذر عوض من أن خطورة هذا المسار تكمن في أنه لا يعتمد على الحرب المباشرة، بل على أدوات أكثر نعومة وفعالية: العقوبات، الضغط المالي، إعادة تعريف الشرعية السياسية، وتكثيف التدخل المؤسسي عبر القنوات الرسمية للدولة. وبذلك، يتحول الصراع إلى عملية استنزاف بطيء للبنية السيادية من الداخل، دون الحاجة إلى صدام عسكري شامل.
في المحصلة، يقدّم هذا التصور العراق بوصفه ساحة اختبار حاسمة للمرحلة المقبلة: إما أن ينجح في الحفاظ على توازن قواه الداخلية ومنع إعادة تشكيله كدولة وظيفية، أو أن يتحول إلى نموذج متقدم لإعادة هندسة دول المنطقة ضمن منطق “السيادة المقيدة”، وهو ما ينعكس مباشرة على مستقبل محور المقاومة كله، لا في العراق وحده.
*ثامناً: نموذج “السلطات الهامشية”*
في هذا المحور، يقدّم عوض مفهوماً تحليلياً مركزياً لفهم التحولات في بنية الدولة داخل عدد من الساحات العربية، تحت عنوان “السلطات الهامشية”. ويقصد به نمطاً متكرراً من الكيانات السياسية التي تحتفظ بالشكل المؤسساتي للدولة، لكنها تفقد مضمون السيادة الفعلية، لتتحول إلى سلطات إدارية وظيفية تعمل ضمن حدود مرسومة من الخارج أو تحت تأثيره المباشر أو غير المباشر.
في هذا النموذج، لا تعود الدولة تعبيراً عن إرادة وطنية مستقلة أو عن عقد اجتماعي داخلي متماسك، بل تصبح إطاراً تنظيمياً يُستخدم لإدارة المجتمع وضبطه، دون امتلاك القدرة الكاملة على التحكم بالقرارات السيادية الكبرى، سواء في الأمن أو الاقتصاد أو السياسة الخارجية. وهكذا تتحول السلطة إلى واجهة قانونية تُستخدم لتغطية بنية أعمق من التوازنات المفروضة، بدل أن تكون هي مركز القرار الحقيقي.
ويشير عوض إلى أن هذا النمط لا يظهر في حالة واحدة معزولة، بل يتكرر في أكثر من ساحة عربية، وإن بأشكال متفاوتة. ففي فلسطين، يُستحضر نموذج السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس بوصفه نموذجاً لسلطة محدودة السيادة في ظل واقع احتلالي وهيمنة خارجية مباشرة. وفي لبنان، يظهر النموذج عبر دولة تعاني من هشاشة بنيوية وانقسام داخلي عميق، ما يجعل قرارها السيادي عرضة للتجاذب والضغط الخارجي. أما في سوريا، فتبرز إشكالية إعادة بناء الدولة في سياق تدخلات متعددة وتوازنات إقليمية معقدة، تجعل من القرار السيادي موضوعاً محل تنازع مستمر. وفي العراق، يطرح عوض احتمال ترسخ هذا النموذج بشكل أعمق، عبر إعادة تشكيل السلطة ضمن قيود مؤسساتية وسياسية تحد من استقلالية القرار الوطني.
الوظيفة الأساسية لهذا النمط، في القراءة التي يقدمها، لا تكمن في بناء دولة قوية أو مستقرة، بل في توفير غطاء قانوني وإداري لآليات السيطرة الخارجية، بحيث تُدار التوازنات السياسية والاجتماعية من داخل بنية الدولة نفسها، ولكن دون أن تمتلك هذه الدولة القدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل بالكامل. وبهذا المعنى، تصبح “السلطات الهامشية” أداة لإدارة المجتمعات لا لتمثيلها، ولضبط الاستقرار الظاهري لا لبناء السيادة الفعلية.
ومن هنا، يرى عوض أن خطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في إضعاف الدول، بل في إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسه، من كيان سيادي مستقل إلى إطار وظيفي قابل للإدارة الخارجية، يحتفظ بالشكل ويُفرّغ من المضمون.
*خاتمة*
في المحصلة، يقدّم هذا التصور رؤية تعتبر أن العلاقة بين واشنطن وطهران لم تدخل طور التسوية بقدر ما دخلت طور إعادة تشكيل الصراع بأدوات أكثر مرونة وأقل كلفة مباشرة. فـ”الغزل” في هذا السياق ليس مقدمة سلام، بل تقنية سياسية لإدارة التوتر، وفتح مسارات تفاوضية قابلة للإغلاق في أي لحظة، بينما “الزواج” ليس عقداً ثابتاً، بل صيغة مؤقتة لتقاطع المصالح داخل نظام دولي مضطرب.
تقوم خلاصة هذا الطرح على أن الطرفين يتحركان بمنطقين مختلفين لكن متداخلين:
واشنطن، في نسختها الترامبية، تميل إلى الصفقة السريعة وإعادة تدوير النفوذ عبر الاقتصاد والضغط السياسي.
وإيران تعتمد على الاستنزاف طويل الأمد وتراكم المكاسب الجزئية وتحويل الزمن إلى أداة قوة.
وبين هذين المنطقين، لا يبدو أن المسار يتجه نحو نهاية حاسمة، بل نحو إدارة دائمة للتناقض: تهدئة لا تلغي الصراع، وتفاوض لا يفضي إلى اندماج، وغزل سياسي يفتح الأبواب بقدر ما يتركها قابلة للإغلاق.
ومن هنا، تصبح المرحلة الراهنة لحظة اختبار لقدرة كل طرف على تحويل التكتيك إلى استراتيجية، دون الوقوع في وهم أن الشكل الجديد للعلاقة قد يعني بالضرورة نهاية جوهر الصراع.
بتاريخ: 18.04.2026
لمتابعة الحلقة كاملة على الرابط
https://www.youtube.com/live/AYuYgXKm-Xw?si=Vn03rvYD6RdjVoiU
[١٨/٤، ١١:٠٦ م] null: لمتابعة الحلقة
https://www.youtube.com/live/D4Iyvi2Nlvc
للاشتراك بقناة الأجمل آت واتساب على WhatsApp:
[https://whatsapp.com/channel/0029VbAIMnI9MF99CqCYX52Q]
للاشتراك بقناة تفاعل ميخائيل عوض على تيليغرام:
[https://t.me/mmmawad]
للاشتراك بقناة ميخائيل عوض على يوتيوب:
[https://youtube.com/@maikawad1800]