بين الهدنة والانفجار ……هل يُصنع السلام أم يُمهَّد لحرب كبرى؟
مقالات
بين الهدنة والانفجار ……هل يُصنع السلام أم يُمهَّد لحرب كبرى؟
وائل المولى
19 نيسان 2026 , 10:37 ص

‏في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع المسارات السياسية مع التحركات العسكرية بطريقة تثير القلق وتفتح الباب أمام سيناريوهات غير مسبوقة. فالمفاوضات الجارية، التي يُفترض أن تشكّل نافذة للتهدئة، باتت محاطة بشكوك متزايدة حول دورها الحقيقي: هل هي مسار جدي نحو اتفاق، أم مجرد غطاء مؤقت لإعادة ترتيب موازين القوة على الأرض؟

‏المشهد يوحي بأن الدبلوماسية لم تعد منفصلة عن أدوات الصراع، بل أصبحت جزءاً منها. إذ يمكن استخدام طاولة الحوار لكسب الوقت، وامتصاص الضغوط، وتهدئة الجبهات مؤقتاً، ريثما تكتمل التحضيرات العسكرية في الخلفية. وفي هذا السياق، يصبح التفاوض نفسه أداة استراتيجية، لا لإنهاء الحرب، بل لإدارتها بشكل أكثر دقة.

‏ضمن هذا الإطار، تبرز قراءة تعتبر أن قرار الذهاب إلى هذه الحرب لم يكن معزولاً عن إرادة إسرائيل، بل جاء في سياق تلاقي مصالح بين واشنطن وتل أبيب، حيث يظهر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمضي في كثير من الأحيان وفق الرؤية التي يدفع بها بنيامين نتنياهو، ما يطرح تساؤلات حول استقلالية القرار الأمريكي في إدارة هذا الصراع.

‏أما الهدنة الحالية، فلا تبدو منفصلة عن حسابات أوسع. إذ يمكن فهمها كخطوة تهدف إلى تخفيف الضغط الاقتصادي العالمي الذي تصاعد بفعل التوتر، خصوصاً مع حساسية ملف الطاقة ومضيق هرمز، إضافة إلى إتاحة الوقت لإعادة التذخير العسكري، وإعادة ترتيب الانتشار، وفتح المجال أمام بناء حشد دولي وربما عربي في مواجهة إيران، إلى جانب العمل على فصل الجبهة اللبنانية عن مسار المواجهة المباشر.

‏المؤشرات الميدانية تعزز هذا القلق. فحجم الحشود العسكرية في المنطقة، من قوات برية مدعومة بغطاء جوي وبحري كثيف، يتجاوز بكثير ما يمكن اعتباره انتشاراً دفاعياً تقليدياً. هذا النوع من الاستعدادات عادة ما يرتبط بعمليات واسعة النطاق، تتطلب تنسيقاً عالياً وقدرة على الحسم الميداني، خاصة عندما يكون الهدف تغيير واقع جيوسياسي قائم.

‏في المقابل، يدرك الطرف الإيراني طبيعة هذه المرحلة، خاصة في ضوء تجربة سابقة مع واشنطن. فالتاريخ القريب يظهر أن طهران وجدت نفسها أكثر من مرة أمام مسارات تفاوضية انتهت بنتائج معاكسة لتوقعاتها، وهو ما يدفعها اليوم إلى التعامل بحذر شديد، سواء في ملف مضيق هرمز أو في الإصرار على ربط الساحات، وخصوصاً عدم فصل الجبهة اللبنانية عن سياق المواجهة الأشمل.

‏وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تحركات إيرانية لإعادة تأهيل مواقع عسكرية ومخازن صواريخ سبق أن تعرضت للقصف، واستعادة جزء من هذه القدرات، في وقت تتحدث فيه بعض المصادر عن دعم تقني عسكري صيني، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة بناء عناصر القوة تحسباً لأي مواجهة مقبلة.

‏الأهم من ذلك هو عنصر التوقيت. فربط التصعيد العسكري بنهاية فترات التهدئة يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الهدنة: هل هي بالفعل فرصة لاحتواء الأزمة، أم أنها مجرد “استراحة تكتيكية” لإعادة التموضع قبل الانطلاق نحو مرحلة أكثر عنفاً؟ في مثل هذه الحالات، لا يكون الزمن عاملاً محايداً، بل جزءاً من الخطة.

‏كما أن شخصية ترامب، المعروفة بنهج تفاوضي يقوم على الضغط والمراوغة وإعادة خلط الأوراق، تضيف بعداً إضافياً من عدم اليقين، حيث يصبح نقض التفاهمات أو تعديلها جزءاً من أدوات إدارة الصراع، لا استثناءً عليه.

‏في المقابل، لا يمكن إغفال أن استعراض القوة قد يكون أيضاً أداة ضغط تفاوضي. فالقوى الكبرى غالباً ما تلجأ إلى رفع سقف التهديد العسكري لفرض شروطها السياسية، دون نية حقيقية للانزلاق إلى حرب شاملة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية.

‏وسط هذا كله، يبرز عامل حاسم إذا ما تجددت المواجهة، فإن مسارها سيتحدد إلى حد كبير وفق الضربة الأولى، من حيث توقيتها وحجمها وأهدافها. كما أن أي تصعيد واسع قد يفتح الباب أمام دخول لاعبين جدد إلى ساحة الصراع، ما ينذر بتوسيع رقعة المواجهة إلى مستويات يصعب احتواؤها.

‏في الخلاصة، تبدو المنطقة واقفة على حافة دقيقة بين تهدئة هشة وانفجار محتمل. ما يجري خلف الكواليس قد يكون أكثر حسماً مما يُعلن، والهدنة الحالية قد لا تكون سوى محطة مؤقتة في مسار تصعيد أكبر.

‏السؤال الحقيقي اليوم لم يعد ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل ما إذا كانت قد أصبحت خياراً جاهزاً ينتظر اللحظة المناسبة للانطلاق.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري
الأكثر قراءة سياسة الخطوط الصفراء .
سياسة الخطوط الصفراء .
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً