.مها أبو خليل: من
مقالات
.مها أبو خليل: من "أيقونة أثينا" إلى شهادةٍ على مذبح الوطن في زمن الانبطاح.. رحلة النضال بالرصاص والكلمة
موسى عباس
19 نيسان 2026 , 22:27 م

كتب:موسى عبّاس

الشهادة على عتبة السلام الزائف

في لحظة فارقة بين دوي الانفجارات وصمت "وقف إطلاق النار"، وفي آخر غارة غادرة استهدفت مدينة صور، ارتقت الدكتورة مها أبو خليل شهيدة. أبت إلا أن تُختم هذه الجولة بدمائها، لتكون هي التوقيع الأخير على وثيقة الصمود الأسطوري لجنوب لبنان في زمنٍ عزّ فيه الوفاء. رحلت الأكاديمية والمناضلة، تاركةً خلفها إرثاً يمتد من زنازين اليونان إلى ميادين الفكر والإعلام المقاوم.

محطة 1969: "المناضلة الأنيقة" في زنازين أثينا

بدأت حكاية مها عام 1969، حين هزت العالم وهي صبية في ربيع العمر بمشاركتها في عملية "مطار أثينا" دفاعاً عن فلسطين. واشتهرت صورتها الأيقونية وهي تقف بشموخ خلف قضبان المعتقل في اليونان، حيث واجهت المحاكم بابتسامة نصر هزت الرأي العام العالمي، لُتلقب بـ "المناضلة الأنيقة". في عام 1970، عانقت الحرية بعد عملية ضغط فدائية أرغمت السلطات في أثينا على تحريرها، لتعود بطلة لم ينل الأسر من عزيمتها، في زمنٍ كانت فيه البوصلة واضحة والكرامة فوق كل اعتبار.

معركة الوعي: من خندق المواجهة إلى دكتوراه الإعلام

بعد الحريّة ، خاضت مها نضالاً من نوع آخر، مؤمنة بأن الكلمة هي رصاصة العقل. لم تستكن لسنوات السجن أو الملاحقة، بل انتزعت شهادة الدكتوراه في الإعلام بتفوق. صقلت موهبتها ليكون القلم في يدها سلاحاً لكشف زيف الاحتلال ونصرة المظلومين. كانت ترى في الإعلام رسالة أخلاقية ووطنية، وحصناً للدفاع عن الهوية والذاكرة في وجه محاولات التشويه والتمويه.

صوت الحق في خندق الجنوب:

عاشت الدكتورة مها في مدينتها "صور" كقامة فكرية وأكاديمية، مكرسةً علمها وخبرتها في الإعلام لخدمة قضايا الناس وتوثيق معاناتهم. عُرفت بتواضعها وترفُعها عن أضواء الشهرة الزائفة، وظلّت وفيةً لجذورها الفدائية، مجسدةً في حياتها اليومية مقولتها:

"أن الوطن لا يُشترى إلا بالدَم". دافعت عن الحقيقة بمهنيَة الأكاديمية وعنفوان المناضلة، حتى أصبحت صوتاً للذين لا صوت لهم.

مدرسةٌ تخرّج أجيال المناضلات:

إن رحيل الدكتورة مها على يد الإرهاب الصهيوني الغادر ليلة وقف إطلاق النار هو ولادة جديدة لسيرةٍ يجب أن تُدرّس؛ لتكون مدرسةً وقدوةً تتخرج منها أجيالٌ من المناضلات اللواتي يجمعن بين صلابة الموقف ورقيّ الفكر. لقد علّمتنا مها أن النضال لا ينتهي بانتهاء المعركة العسكرية، بل يستمر بالوعي والكلمة الحرة.

ستبقى "مدرسة مها أبو خليل" منارةً تهدي السائرين على درب التحرير، وصرخةً في وجه زمن الانبطاح، لتؤكد أن مسيرة المقاومة هي قدر الشرفاء حتى النفس الأخير