كتب: موسى عبّاس
في لحظة فارقة بين دوي الانفجارات وصمت "وقف إطلاق النار"، وفي آخر غارة غادرة استهدفت مدينة صور، ارتقت الدكتورة مها أبو خليل شهيدة. لم يمهلها القدر لتشهد سكون المدافع الذي جاء بعد رحيلها بساعات، وكأنها أبت إلا أن تُختم هذه الجولة بدمائها، لتكون هي التوقيع الأخير على وثيقة الصمود الأسطوري لجنوب لبنان في زمنٍ عزّ فيه الوفاء. رحلت الطبيبة والمناضلة، تاركةً خلفها إرثاً يمتد من زنازين اليونان إلى أزقة صور الصامدة.
محطة 1969: "المناضلة الأنيقة" في زنازين أثينا
بدأت حكاية مها عام 1969، حين هزت العالم وهي صبية في ربيع العمر بمشاركتها في عملية "مطار أثينا" دفاعاً عن فلسطين. واشتهرت صورتها الأيقونية وهي تقف بشموخ خلف قضبان المعتقل في اليونان، حيث واجهت المحاكم بابتسامة نصر هزت الرأي العام العالمي، لُتلقب بـ "المناضلة الأنيقة". في عام 1970، كُسر قيدها بعملية ضغط فدائية أرغمت السلطات في أثينا على تحريرها، لتعود بطلة لم ينل الأسر من عزيمتها، في زمنٍ كانت فيه البوصلة واضحة والكرامة فوق كل اعتبار.
معركة القلم والمشرط: إرادة لا تكسرها الزنازين
بعد الحرية، خاضت مها نضالاً أكاديمياً شرساً لإكمال تعليمها في ميدان الطب. انتزعت شهادتها الجامعية بتفوق رغم كل الصعوبات والملاحقات، مؤمنةً بأن المشرط هو وسيلة أخرى للدفاع عن الإنسان، وأن العلم حصن لا يقل أهمية عن حصون السلاح. خاضت معركة التحصيل العلمي بذات الروح التي خاضت بها العمل الفدائي، لتثبت أن المقاوم الحقيقي هو من يبرع في بناء الحياة بقدر براعته في الدفاع عنها.
طبيبة الفقراء في خندق الجنوب:

اتخذت من مدينة "صور" ساحة لعطائها الطبي، وعُرفت لعقود بـ "طبيبة الفقراء". مارست مهنتها كرسالة وطنية صامتة، داعمةً عوائل الشهداء، ومجسدةً مقولتها الأخيرة: "أن الوطن لا يُشترى إلا بالدم". عاشت بين أهلها بصمت الكبار، مبتعدة عن أضواء الشهرة وزيف المناصب، متمسكةً بجوهر القضية حتى الرمق الأخير.
مدرسةٌ تخرّج أجيال المناضلات:
إن رحيل الدكتورة مها على يد الإرهاب الصهيوني الغادر منتصف ليل 16 نيسان 2026 هو ولادة جديدة لسيرةٍ يجب أن تُدرّس لتكون مدرسةً وقدوةً تتخرج منها أجيالٌ من المناضلات اللواتي يجمعن بين صلابة الموقف ورقيّ العلم. لقد علّمتنا مها أن النضال ليس حكراً على ميدان دون آخر، فالفتاة التي هزت أمن المحتل بصمودها، هي ذاتها الطبيبة التي حصّنت مجتمعها بالرحمة.
ستبقى "مدرسة مها أبو خليل" منارةً تهدي السائرين على درب التحرير، وصرخةً في وجه زمن التخاذل، لتؤكد أن مسيرة المقاومة هي قدر الشرفاء حتى الرَمَقْ الأخير.