زمن الهدن الهشّة ..بين المناورة الأمريكية وصلابة الرد الإيراني ..!؟
مقالات
زمن الهدن الهشّة ..بين المناورة الأمريكية وصلابة الرد الإيراني ..!؟
عباس المعلم
22 نيسان 2026 , 10:36 ص

مدّد ترامب الهدنة مع ايران بقرار أحادي، في خطوة أقرب إلى مناورة تفاوضية تهدف إلى شراء الوقت وتعظيم أوراق الضغط، تمهيداً لتشديد الخناق عبر الحصار البحري الذي يُكبّد طهران خسائر يومية تُقدَّر بنحو 500 مليون دولار. هذا السلوك يعيد إنتاج عقيدة “الضغط الأقصى” بصيغتها المعدّلة، حيث تُستَخدم أدوات الاقتصاد السياسي كبديلٍ مرحلي عن الحسم العسكري، بغية دفع الداخل الإيراني نحو حافة الاحتجاج من بوابة التدهور المعيشي، بالتوازي مع استنزافٍ متعدد المستويات تفرضه الحرب.

في المقابل، يروّج ترامب لرواية انقسامٍ داخل بنية القرار الإيراني بشأن صياغة موقف تفاوضي موحّد. غير أن هذه السردية تندرج في إطار الحرب النفسية ومحاولات إحداث شرخٍ إدراكي داخل النظام، أكثر مما تعكس واقعاً بنيوياً. فالإدارة الأمريكية التي أعلنت قبل أشهر أن هدفها هو تغيير النظام، تجد نفسها اليوم أمام خصمٍ أكثر تماسكاً وصلابة، أعاد ترتيب أولوياته تحت النار، ونجح في امتصاص صدمة الاشتباك المباشر وغير المباشر، بوجه الحرب الأمريكية الاسرائيلية عليه ..

صحيح أن الحصار البحري يفاقم اختلالات الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات، إلا أنه لا يحقق بالضرورة غايته الاستراتيجية في إخضاع طهران. ذلك أن إيران ما زالت تمسك بورقة جيو-اقتصادية حاسمة تتمثل بالتحكم العملي بممرات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز ، حيث يكفي التلويح بتقييد الملاحة لإحداث ارتدادات تضخمية وركودية تطال الأسواق العالمية، بما فيها الاقتصاد الأمريكي نفسه، ولا سيما في ما يتصل بأسعار النفط وسلاسل الإمداد المرتبطة به.

ما نشهده اليوم يمكن توصيفه بـ”حصار الحصار”: مواجهة إرادات بين واشنطن وطهران، تتقاطع فيها أدوات الردع الاقتصادي مع حسابات الكلفة-العائد. غير أن ميزان الضغط،، لا يميل بالكامل لصالح الولايات المتحدة؛ فإيران، بعد سنوات من العقوبات والتكيّف القسري، تقلّصت لديها “كلفة الخسارة الحدّية”، بينما تتسع دائرة التأثر لدى الحلفاء الإقليميين والدوليين لواشنطن. ومن هنا، يصبح فك الاشتباك في مضيق هرمز شرطاً لازماً وإن غير كافٍ لإعادة إطلاق أي مسار تفاوضي ذي جدوى.

ضمن أدبيات التفاوض تحت الحصار والتهديد العسكري، لا تُفتح النوافذ الدبلوماسية إلا عندما تتقاطع “نقطة الألم القصوى” للطرفين مع “عتبة الإنكار المقبول”. وحتى الآن، لا يبدو أن هذا التقاطع قد نضج. لذلك، فإن أي جولة قريبة تظل رهينة وساطات مركّبة قد تضطلع بها أطراف إقليمية كـباكستان، إلى جانب قوى دولية قادرة على هندسة “منطقة وسطى” تُخفّض السقوف المرتفعة تدريجياً، وتؤسس لمسار انتقالي من إدارة الأزمة إلى تسويتها.

في المقابل، يبقى سيناريو “الغدر العسكري” احتمالاً قائماً بقوة خلال فترات التهدئة، استناداً إلى سوابق ميدانية في جولات سابقة. وعليه، تتعامل طهران مع الهدنة بوصفها “وقف إطلاق نار هشّ” لا يرقى إلى ضمانة، وتضع جاهزيتها العسكرية في صدارة أولوياتها، مع ميلٍ واضح إلى تعزيز الردع الوقائي، تحسباً لانزلاقٍ مفاجئ يعيد الصراع إلى مربعه الساخن.

عباس المعلم - كاتب سياسي