”حين تتكاثر الجبهات وتتقاطع الجهات، تنجلي الحقيقة: عدو واحد بأقنعة شتى، وإرادة صمود إذا توحدت أعادت رسم المعادلات وكسرت قيود الاستتباع".
في زمن يتنازع فيه الضجيج المعنى، وتكاد البوصلة تسلب من أهلها، تغدو الكلمة مسؤولية، والكتابة موقفا، والبيان فعلا يناهض التزييف. ليست البلاغة هنا ترفا، بل أداة وعي تقاوم الالتباس، وتعيد ترتيب الأولويات في عالم تتكاثر فيه العناوين وتتوحد فيه الضغوط. { ولا تهنوا ولا تحزنوا }...نداء يتجاوز الوعظ إلى صناعة العزم.
منذ تحول عام 1979 إلى علامة فارقة، برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها تجربة سياسية اختارت الاستقلال في القرار، ورفضت الخنوع والخضوع والانخراط في مسارات الهيمنة الإستعمارية. لم تتعامل مع فلسطين كملف عابر، بل كقضية مركزية تقاس بها صدقية المواقف؛ فدعمت حضورها في الوعي والوجدان، وأسهمت_ سياسيا وإعلاميا_ في إبقائها حية في أجندة المنطقة.
وفي سجل مواقفها، تتجلى سمات لافتة: ثبات أمام الضغوط، واستمرارية في تبني قضايا التحرر، وقدرة على تحويل القيود إلى دوافع. حصار طال الاقتصاد والمجتمع مضايقات تلطيخ سمعة_ لكنه لم يفض إلى الانكفاء؛ بل أسهم_في مفارقة لافتة_ في ترسيخ الاعتماد على الذات، وتعزيز خطاب السيادة، وتوسيع شبكات التعاون مع قوى ترى في الاستقلال قيمة لا تساوم. كما برز حضورها في دعم أطر مختلفة من العمل المقاوم سياسيا وإعلاميا وعسكريا، بما أسهم في إعادة التوازن إلى ساحات اختلت في دول عدة تساند حقوق الفلسطينين، وتدعو إلى رفع المعاناة عن المدنيين، وإبقاء القضية في صدارة الاهتمام.
وفي هذا السياق، نذكر مواقف باكستان الصريحة التي أكدت_ في أكثر من محطة_ وقوفها إلى جانب حق الشعوب في الكرامة، ودعم لخيارات الإستقلال، ورفضها للضغوط التي تنتقص من السيادة. إن تقاطع المواقف، مهما تباعدت الجغرافيا. يخلق مساحة مشتركة يمكن البناء عليها لتعزيز الحضور السياسي للقضايا العادلة.
أما في الإطار الإقليمي الأوسع، فإن المسؤولية الجماعية تظل حجر الزاوية: مسؤولية الحفاظ على وحدة الموقف، وتغليب منطق التعاون على التنازع، وتوجيه البوصلة نحو إنهاء الاحتلال ودعم الحقوق المشروعة عبر المسارات السياسية والقانونية والانسانية. فالقضايا الكبرى لا تدار بردود فعل متفرقة، بل برؤى متكاملة تحسن قراءة الواقع وتبني عليه. ومن هنا تتبدى أهمية الخطاب الذي يكرر التذكير: ليس تكرارا بقدر ما هو تثبيت للمعنى، وإصرار على ألا تبهت القضايا مع تعاقب الأخبار. إنه جهد تراكمي يعيد وصل ما انقطع، ويمنح الذاكرة العامة حصانة ضد النسيان.
إن وحدة الكلمة مقدمة لوحدة الفعل، وأن التلاقي على القيم أساس لأي تحول مستدام { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا }. جبهات من كل الجهات، نعم؛ لكن المعنى الأرسخ أن البوصلة واحدة: كرامة تصان، وحقوق تستعاد، وعدالة تطلب بثبات. واذا اجتمعت الارادات على هذا المعنى، صار الأمل عملا، وتحول الطريق_مهما طال_إلى مسار واضح المعالم.
كرامة تصنع التاريخ، وعدالة تهزم القهر، وإرادة تعيد التوازن، وبصيرة تحمي المصير، ووحدة تنبت النصر، وحقيقة لا تهزم، وزمن يتبدل.
محلل سياسي وإخباري وإعلامي سوري.