كتب: موسى عبّاس
مُنذُ نشأةِ ما عُرف بـ "دولة لبنان"، جرى حَقْنُ الوعي الجمعي بجرعاتٍ مكثفةٍ من التزييف التاريخي. تعمّدت الأنظمةُ المتعاقبة تجاهل التاريخ الحقيقي للاعتداءات الصهيونية؛ ليس عجزاً فحسب، بل لتغطيةِ عَوْراتِ نخبٍ سياسية ودينية غاصت حتى أذنيها في "متاهة" العلاقات السريّة مع قادة الكيان الغاصب قبل وبعد عام 1948. إن ما نعيشه اليوم من انقسام حول "المقاومة" ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة شجرةٍ مسمومةٍ زرعتها نخبٌ باعت الأرضَ والعِرْضَ قبل أن تُطلق المقاومة رصاصتها الأولى بعقود.
*أرشيف الخيانة: حين تُباع الأوطان في "الصالونات"*
لم يكن الكيان الصهيوني يحتاج لخرق الحدود بالجرّافات فقط، فقد كانت "الصالونات السياسية" في بيروت مُشْرَعَةَ الأبواب. يكشف ضابط الاستخبارات الصهيوني "رؤوبين إيرليخ" في كتابه **(المتاهة اللبنانية)**، مستنداً إلى أرشيف الكيان الرسمي، حقائق تُعرّي أبطال "الاستقلال" المزعوم:
**مَزادُ إميل إده:** الذي عرض على "وايزمان" التنازل عن السيادة على مناطق واسعة في الجنوب (منطقة صور) مقابل ضمان "لبنان مسيحي" تحت الحماية الصهيونية.
**براغماتيةُ الدّم (بشارة الخوري ورياض الصلح):** اللذان أدارا تفاهماتٍ سريّةً تحت الطاولة لضمان كراسيهما، مقابل "تحييد" لبنان عن المواجهة الوجودية، تاركين الجنوب لُقْمَةً سائغة.
* **سماسرةُ الإقطاع (أحمد الأسعد وسليم سلام):** حيث وثق الأرشيف الصهيوني دور الإقطاعي **أحمد الأسعد** في تسهيل بيع أراضٍ استراتيجية في "الحولة" والحدود للصندوق القومي اليهودي، مقتفياً أثر **سليم سلام** في فتح قنوات "التعاون الاقتصادي" مع العصابات التي كانت تذبح الفلسطينيين.
*المخطط الشيطاني: "الترانسفير" اللبناني**
أخطر ما كشفه الأرشيف هو عرض المطران **إغناطيوس مبارك**، الذي لم يكتفِ بطلب الحماية، بل اقترح مشروعاً يقضي بـ **إبادةِ وتهجيرِ الشيعة من جنوب لبنان**، واستبدالهم بالموارنة المغتربين في الولايات المتحدة، لخلق "نطاق أمني" بشري يحمي الكيان الصهيوني ويضمن نقاء "الدولة الطائفية".
**سجل المجازر: أين كانت "السيادة" قبل عام 1982؟**
إلى المتباكين اليوم على "سيادة لبنان" والمُحمِّلين المقاومة مسؤولية الدمار؛ التاريخ لا يبدأ من حيث تشتهون، بل من حيث أُريقت الدماء والبلادُ بلا مقاومةٍ تحميها:
1. **نكبة 1948:** ذُبح أهلنا في **حولا** (80 شهيداً) و**صلحا** (105 شهداء) بدم بارد.
2. **قرصنة 1968:** دُمّر أسطول **مطار بيروت** الجوّي بلمحة بصر في عدوانٍ على هيبة الدولة.
3. **إبادةُ حانين 1976:** مُسحت بلدةٌ كاملةٌ عن الخريطة بعد ارتكاب مجزرة فيها وسُوّيت بيوتها بالأرض وهُجّر أهلها 24 عاماً قبل أن تحرّرها دماء شهداء المقاومة في23 أيّار عام 2000.
4. **جحيم 1978:** قُتل الأطفال والنساء في مساجد **العباسية** وكنائس **راشيا** و**الأوزاعي** و**كونين**.
كل هذا الإجرام وقع قبل وجود"حزب الله" وقبل أن تمتلك "حركة أمل" مَخالِبَ عسكرية فاعلة والتي غّيِّبَ إمامها وإمام الشيعة "سماحة الإمام السيّد موسى الصدر بتواطؤ محلي وعربي ودولي بعد إعلان تأسيه للمقاومة وبسبب مواقفه الفاضحة للتخاذل اللبناني والعربي في مواجهة الكيان الغاصب . وقع كلُّ هذا الإجرام والجنوبُ مُستباح، والدولة غارقة في "متاهتها"، والنخُب تبيع وتشتري وتتواطأ في سُوقِ النَّخاسةِ الصهيوني.
**إذن.. لماذا المقاومة واجبة؟**
المقاومةُ واجبةٌ لأن البديل كان "الاندثار" والتهجير الممنهج. المقاومة واجبة لأنها الرّد الوجودي الوحيد على *سليم سلام*(جدّ رئيس الوزراء الحالي نوّاف سلام الذي يستجدي لقاء ً انبطاحيّاً في البيت الأبيض) سليم سلام و *أحمد الأسعد* اللذان باعا الأراضي في سهل "الحولة " ، وعلى **المطران مبارك** الذي أراد إبادة البشر، وعلى **إميل إده** الذي رهن السيادة للغريب.
إلى كل إعلامي أو سياسي أو رجل دين يحاول اليوم "صَهْيَنَةَ" الوعي اللبناني عبر شيطنة المقاومة لتبرير تواطئه وخنوعه: **كفاكم استغباءً للتاريخ!** المقاومة التي ولدت من رماد اجتياح 1982 لم تكن خياراً ترفياً، بل كانت الصرخة لإنهاء "زمن الصفقات" وبدء زمن الكرامة.
**أيّها اللبنانيون.. أيّها العرب.. أيّها الأحرار:**
المقاومة ليست سبباً للعدوان، بل هي "الدواء" الوحيد لمرض التواطؤ الذي نَخَرَ جسد الدولة اللبنانية لثمانين عاماً. إن محاولة تحميلها مسؤولية الإجرام الصهيوني هي ذروةُ السقوط الأخلاقي. التاريخ سيلعن المرتجفين الذين يبررون للقاتل جريمته، وسيبقى الدم الجنوبي هو الحقيقة الوحيدة الصارخة في وجه "متاهات" الخيانة والعمالة. مَن لا يقرأ التاريخ من أرشيف العدو، سيبقى عبداً لأكاذيب السماسرة في الداخل.
*مصادر المعلومات الواردة في المقال :
أوّلاً:كتاب: "المتاهة اللبنانية" لمؤلِفه :" رؤوبينإيرليخ ".وهو مرجع أساسي لكل باحث في العلاقات السريّة الصهيونية مع بعض النخب اللبنانيهبالعبريّة :(הסבך הלבנוני).
ثانياً: روابط صحف وأرشيفات وثّقت المجازر (1948 - 1978)
-مؤسسة الدراسات الفلسطينية (أرشيف لبنان والعدوان).