كتب حسن علي طه
يعيش لبنان حالة من الفوضى السياسية العارمة، فحال السلطة في لبنان كمن قصّ الغصن الذي يجلس عليه.
فمن خارج كل السياقات أتى طرح الجلوس المباشر مع العدو الإسرائيلي.
صحيح إن الموضوع خُطِّط له من قبل الأميركيين منذ لحظة اختيارهم عدة العمل الخاصة لهذا الانقلاب.
فمن فريق السلطة الحاكم جوزاف ونواف، إلى طريقة اختيار الوزراء، جميعهم في الفلك الأميركي.
حتى وزراء الشيعة كان للأميركي رأي كبير فيهم، مثل فادي مكي وياسين جابر.
ناهيك عن تسمية ندى حمادة سفيرةً للبنان في واشنطن، والتي جاءت في خرق واضح للأصول.
هي من خارج ملاك وزارة الخارجية، وفي خرق أوضح لعرف، إذ إن سفير لبنان في واشنطن ماروني.
مرّ التعيين دون اعتراض من البطريرك الراعي، تأكيدًا أن القرار أميركي.
وعليه، يصبح الاعتراض ترحيبًا.
كيف لا، وترامب أهان السيد المسيح وقداسة البابا، وجيش العدو أهان نصب السيد المسيح في جنوب لبنان.
ومع ذلك، كان الصمت سيد الموقف من البطريرك الراعي، حامي الكنيسة.
فجأة، ومن دون مقدمات، أعلن جوزاف عون استعداده للقاء مباشر مع العدو.
تسلّح بحجة حماية شعبه، وفي رقبته ألف شهيد لرفضه وقف النار في الثامن من آذار.
المهم أتى الإعلان قفزة في الهواء الطلق في المجهول.
أتت ردود الفعل لتؤكد حجم التآمر على الوطن والجيش والمقاومة.
هذا التآمر يحوز إجماع الطبقة السياسية نفسها التي وضعت المقاومة خارج القانون في الثاني من آذار.
ذهب جوزاف عون بعيدًا في تبني التفاوض المباشر، وصولًا إلى احتمال لقاء نتنياهو.
يذهب بلا أي نقطة قوة، وجلّ ما يناله هو خدمة مصلحة العدو.
وإن كان قد تهرّب من الحديث معه عبر الاتصال، ولا ندري إن كان قد تمّ وبقي الأمر طي الكتمان.
الأيام المقبلة كفيلة بكشف الحقيقة.
سيجد جوزاف عون نفسه أمام معضلة.
أليس هو من أعلن عن تنظيف جنوب النهر أمام السلك الدبلوماسي، ليتبيّن لاحقًا أنه آخر من يعلم؟
يومها كانت المقاومة في حالة موت سريري، فكيف اليوم بعد أن استعادت عافيتها؟
أدخل جوزاف عون نفسه في عنق الزجاجة، وبات أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يُقتل عندما يستنزفه العدو ويصبح دون فائدة عنده، والتاريخ حافل بذلك،
وإما أن تفرض مبادرات إقليمية، خاصة بين إيران والسعودية، مسارًا جديدًا.
بعدما أصبح الأميركي عبئًا على دول الخليج لا العكس، إن حصل هذا التقارب سيكون له انعكاس مباشر على الداخل اللبناني.
وعندها تصبح ولاية عون بحكم المنتهية، ومعه فريق عمله بالكامل، ونواف ثانيهم.
من هنا يبرز اسم سليمان فرنجية كرجل المرحلة المقبلة.
رجل له رصيد لدى المقاومة، وعلاقة جيدة مع السعودية، وهو الأكثر قدرة على تأمين الأمان وزرع الثقة بين أطراف النزاع.
وعليه، يكون جوزاف ونواف قد أضاعا فرصة بناء دولة.
إذ كان يمكن لهما أن يكونا رجلَي ولادة لبنان الحديث حين كانت المقاومة جريحة.
فبدل مداواة الجرح وبث الثقة، والعمل على وقف الاعتداءات وتحرير الأرض والأسرى،
ذهبا بعيدًا في العداء، وأصبحا جزءًا من حصار المقاومة، خصوصًا في ملف الإعمار.
وما منع الطيران الإيراني من الهبوط في بيروت إلا نموذج واضح عن سوء أدائهما وسوء نواياهما.
لغاية اليوم، ما أنجزته المقاومة أكبر من أن يُتجاهل، وحجم خسارة العدو ليس في بنت جبيل، بل في كامل خريطة إسرائيل الكبرى، التي حملها يومًا ما نتنياهو بين يديه كمن يقول: أصبح الحلم حقيقة، فإذا بالمقاومة تجعل الحلم كابوسًا.
والقادم من الأيام كفيل بوضوح الرؤية وكمال المشهد، وأن غدًا لناظره قريب.