لبنان امام مسارين متناقضتين: حكومة تفاوض من موقع ضعف ومقاومة تقاتل بلا غطاء
مقالات
لبنان امام مسارين متناقضتين: حكومة تفاوض من موقع ضعف ومقاومة تقاتل بلا غطاء
مهدي مبارك عبد الله
25 نيسان 2026 , 13:50 م

د . مهدي مبارك عبد الله

في لبنان يتقاطع مساران متوازيان في لحظة إقليمية واحدة شديدة التعقيد الاول رسمي يراهن على الدبلوماسية والثاني ميداني يراهن على القوة وفي قلب هذا التناقض تشكلت صورة الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على القرى الجنوبية مستفيدة من انشغال العالم بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في محاولة واضحة لإعادة ترتيب ساحات الاشتباك بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية ويمنحها هامشاً أوسع للضغط والتدمير دون كلفة سياسية دولية فادحة والمراقب لواقع الاحداث ما بعد العدوان الاسرائيلي على الجنوب اللبناني يلاحظ هذا التناقض المتفاقم وغير القابل للحل

الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اختارت الدخول في طريق تفاوضي مباشر برعاية أميركية انطلاقاً من قناعة معلنة بأن وقف النزيف الإنساني والاقتصادي بات أولوية مطلقة وأن الحرب المفتوحة تهدد ما تبقى من بنية الدولة والمجتمع وأن أي تأخير في الوصول إلى تسوية قد يرفع الكلفة إلى مستويات لا يمكن تحملها في ظل واقع اقتصادي منهار وبنية تحتية مدمرة ونزوح شعبي واسع النطاق

في المقابل تمسكت حزب الله اللبناني بخيار المواجهة العسكرية مع اسرائيل باعتبار أن التفاوض تحت النار يفقد معناه السياسي ويحوله إلى أداة لإضفاء الشرعية على الوقائع التي تفرضها القوة وأن التجارب السابقة تؤكد أن تل ابيب لا تقدم أي تنازلات حقيقية إلا عندما تشعر بأن كلفة استمرار الحرب تفوق كلفة التسوية وأن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى قوة ردع فعلية لن يكون سوى إعادة إنتاج للهزيمة لكن بصيغة دبلوماسية

هذا التباين الواضح بين المسارين لم يكن مجرد اختلاف في الوسائل بل عكس انقساماً عميقاً في تقدير طبيعة الصراع نفسه فالدولة اللبنانية تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديداً وجودياً يستوجب الاحتواء السياسي بينما ترى المقاومة اللبنانية أنها حلقة في صراع طويل لا يمكن حسمه إلا بتوازن القوة وهو ما يفسر استمرار العمليات الميدانية رداً على الخروقات الإسرائيلية المتواصلة رغم إعلان الهدن المؤقتة التي لم تصمد أمام الوقائع على الأرض من جانب اسرائيل

في خلفية هذا المشهد وظلاله برز الدور الأميركي كعامل حاسم في توجيه الأزمة حيث عملت واشنطن جاهدة على فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية بشكل كامل ساعية إلى منع تلاحم الجبهات بما قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي شامل وقد كانت هذه المقاربة تهدف إلى تحييد لبنان عن أي معادلة ضغط إيرانية محتملة مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز وربط أي تهدئة في لبنان بمسار تفاوضي منفصل يخضع لشروط وضوابط أميركية واسرائيلية صارمة

الحقيقة ان هذا الفصل لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً واستراتيجياً حيث سعت الولايات المتحدة إلى استثمار اللحظة الإقليمية للضغط على الدولة اللبنانية ودفعها نحو مسار تفاوضي سريع يحد من دور المقاومة ويعيد تشكيل ميزان القوى الداخلي بما يتناسب مع الرؤية الأميركية للأمن في المنطقة وهو ما يفسر استضافة واشنطن لجولات التفاوض ومحاولة فرض إيقاع زمني وسياسي لا يتطابق بالضرورة مع مصالح لبنان كما يراها جزء واسع من الداخل

عند تقييم الخيارين يبرز سؤال مركزي أيهما كان أجدى للبنان التفاوض أم الاستمرار في الصمود إلى جانب المقاومة والإجابة هنا ليست بسيطة لكنها تتصل بطبيعة الطرف المقابل فالتاريخ القريب يشير إلى أن إسرائيل لم تنسحب من الجنوب عام 2000 ولم تفشل في فرض شروطها عام 2006 إلا تحت ضغط المقاومة ما يعزز فرضية أن القوة كانت دائماً العامل الحاسم في انتزاع الحقوق وليس التفاوض المجرد

على الجانب الاخر لا يمكن تجاهل الكلفة الهائلة للحروب المفتوحة على مجتمع هش كلبنان حيث الدمار الواسع والنزوح الجماعي والانهيار الاقتصادي وهي عوامل اساسية تدفع شريحة من اللبنانيين إلى تفضيل أي مسار يوقف القتال حتى لو كان محفوفاً بالمخاطر والشكوك وهو ما يمنح الخيار التفاوضي بعداً إنسانياً لا يمكن إلغاؤه رغم هشاشته السياسية وتجاوزه للحقوق اللبنانية المشروعة

الإشكالية الجوهرية تكمن في طبيعة التفاوض نفسه فإذا كان يجري في ظل اختلال واضح في ميزان القوى ومع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية فإن نتائجه المتوقعة تميل إلى فرض شروط أكثر مما تسعى إلى تحقيق تسوية متوازنة وهو ما يثير المخاوف من أن يتحول الحال إلى أداة لتكريس واقع ميداني جديد قد يشمل استمرار الاحتلال الجزئي أو فرض ترتيبات أمنية تقيد السيادة اللبنانية بالمطلق

السيناريوهات المحتملة للمفاوضات الجارية في واشنطن تتراوح بين تحقيق هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة وبين اتفاق جزئي يوقف العمليات دون معالجة جذور الصراع أو سيناريو أكثر خطورة يتمثل في فرض شروط سياسية وأمنية تتعلق بسلاح المقاومة وترتيبات الجنوب بما يعيد إنتاج نموذج اتفاقات سابقة لم تصمد أمام اختبار الزمن وفي جميع هذه الحالات تبقى احتمالات الاستقرار الدائم ضعيفة جدا ما لم يتغير ميزان القوة على الأرض لصالح لبنان

أما السيناريو البديل الذي كان يمكن أن يتشكل لو اتجهت الدولة إلى دعم خيار المقاومة فيقوم على تعزيز وحدة الجبهة الداخلية وتحويل القوة العسكرية إلى ورقة تفاوضية حقيقية تفرض على إسرائيل إعادة حساباتها وربما تدفعها إلى قبول تسوية أكثر توازناً غير أن هذا المسار كان يحمل بدوره مخاطر التصعيد الشامل واتساع رقعة الحرب إلى مستويات يصعب احتواؤها إقليمياً

التوقع الاخطر فيما إذا فشلت المفاوضات أو جاءت بنتائج هزيلة فمن المرجح أن يتجه حزب الله إلى تصعيد محسوب يعيد تثبيت معادلة الردع عبر توسيع بنك الأهداف ورفع كلفة الاعتداء من دون الانزلاق إلى حرب شاملة إلا إذا فُرضت عليه فيما ستجد الدولة اللبنانية نفسها أمام اختبار صعب بين الاستمرار في الرهان على مسار تفاوضي هزيل وفاقد لأوراق القوة أو مراجعة مقاربتها تحت ضغط الوقائع الميدانية وفي هذا السياق يصبح الإصرار على نزع سلاح المقاومة في ظل غياب ضمانات حقيقية لوقف العدوان أو انسحاب إسرائيل خياراً غير مقبول ومحفوفاً بالمخاطر لأنه قد يفتح الباب أمام حدوث فراغ أمني تستثمره إسرائيل لفرض منطقة عازلة ووقائع قسرية تدريجية أما الخيار الأكثر واقعية فيكمن في إعادة صياغة توازن داخلي يربط بين قوة الدولة وقوة المقاومة بما يمنح لبنان قدرة تفاوضية فعلية ويحول دون تحوله إلى ساحة مكشوفة أمام الضغوط العسكرية والسياسية معاً

ختاما : المؤكد في جميع الظروف والاحوال ان

لبنان يقف أمام معادلة معقدة بين كلفة الحرب وكلفة التفاوض وبين منطق الدولة ومنطق المقاومة وبين الضغوط الدولية ومتطلبات السيادة وفي ظل غياب توازن واضح في القوة وتوافق داخلي جامع تبدو كل الخيارات المرتقبة محفوفة بالمخاطر ما يجعل المسألة في جوهرها ليست اختياراً بين مسارين بقدر ما هي أزمة بنيوية في كيفية إدارة الصراع مع عدو لا يعترف إلا بمنطق القوة ولا يلتزم إلا بما تفرضه الوقائع على الأرض

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

الأكثر قراءة قوم فوت نام، وصير حْلام..!
قوم فوت نام، وصير حْلام..!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً