كتب الأستاذ حليم خاتون:
في السبعينيات من القرن الماضي، تواترت إلى القيادة السوفياتية أخبار غير مؤكدة عن إمكانية تقارب أميركي صيني...
الأرجح أن تكون الكي جي بي حصلت على هذه المعلومات من الكثير من المخبرين المنتشرين في كل المجتمعات السوفياتية بما في ذلك المجتمع اليهودي...
كان الإتحاد السوفياتي مخروقا إلى حدّ كبير وغير ظاهر من المجموعات اليهودية الصهيونية
التي تغلغلت في كل مستويات الحزب الشيوعي السوفياتي والسلطات الفيديرالية السوفياتية...
سيطرت هذه المجموعات سيطرة شبه تامة على الحياة الثقافية ومؤسسات التعليم العالي مباشرة أو عبر زيجات سياسية هادفة طالت بشكل أساسي طبقة البيروقراطية والمنتفعين من الحزب الشيوعي أيام السوفيات، كما طالت جماعة الأوليغارشيا في روسيا المعاصرة...
حاول ليونيد بريجنيف يومها استلحاق نفسه فقام بالاتصال مع الأميركيين لجذبهم إلى تحالف أميركي سوفياتي بهدف تدمير المشروع النووي الصيني بالكامل...
لكن اليهودي الصهيوني الأميركي من أصول ألمانية هنري كيسنغر كان بالمرصاد للمحاولات السوفياتية حيث كان اليهود ومنذ ما قبل الثورة الصينية يطمحون للنفاذ والدخول إلى المجتمع الصيني والدولة الصينية الواعدة...
يجهل الكثيرون ان الصين كانت حتى أواخر القرن الثامن عشر أهم قوة اقتصادية وتجارية في العالم قبل أن يبدأ الغزو الغربي لشواطئها ما دفع نابليون لمقولته الشهيرة حول وجوب عدم إيقاظ العملاق الصيني النائم...
كما كان البروفيسور اليهودي إيمانويل تود قد توصل إلى نبوءة انهيار الإتحاد السوفياتي وفقا لداتا معلومات سوفياتية تسربت إليه من الداخل عبر اللوبي اليهودي الصهيوني السوفياتي...
صحيح أن إقامة دولة الكيان الإستيطاني على أرض فلسطين هو مشروع استعماري غربي في الأساس، لكن التداخل بين هذا المشروع الإستعماري ومشروع الصهيونية اليهودية بلغ حدّا صار فيه أي محاولة فصل بين المشروعين مجرد وهم شبه مستحيل مهما بلغت أحلام وأماني الدول العربية والإسلامية، بما في ذلك جهات نافذة في محور المقاومة...
كل الحرب الجارية الآن في منطقتنا كانت تهدف منذ الأساس: إلى الوصول إلى خداع محور المقاومة والسيطرة على المنطقة سلما أم حربا قبل أن يذهب دونالد ترامب إلى الصين وقد امتلك كل أوراق الشرق الأوسط، وقد اطاح بمركز الثقل فيه، الجمهورية الإسلامية في إيران...
بعد الهزائم التي مُنِيَ بها الأميركي مع إيران، وبعد الضربات القوية التي تلقاها الإسرائيلي في لبنان منذ الثاني من آذار؛ أظهرت كل صور لقاءات دونالد ترامب مع القيادة الصينية مدى الإذلال الذي وصل اليه النظام الأميركي..
تشكيلة الوفد الأميركي توحي بأن ترامب ذهب لبحث أمور الإقتصاد والعلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية...
لكن مضيق هرمز فرض نفسه على كل شيء آخر...
اتفق الطرفان على رفض امتلاك إيران سلاحا نوويا وهو أكثر الأمور بساطة وبديهية لأن هذا ما تقول به إيران؛ على الأقل حتى الغد القريب...
أوضح شي جين بينغ في المقابل أن مسألة تايوان ضمن الصين الواحدة أمر غير قابل لأية مساومة...
إذا كانت روسيا باعت سوريا مقابل أحلام لم يستطع ترامب تقديمها في أوكرانيا؛ فإن الصين في وضع لا يقبل أي مساومة تسمح بالإطاحة بالنظام الإسلامي في إيران؛
روسيا التي تم لدغها في ليبيا، ثم تم "الضحك عليها" في سوريا قد توافق على مساومة ما إذا ما أعطيت فعلا لا وعدا ما تبقى من أراضي الدونباس والجمهوريات التي تم إعلان ضمها إلى الإتحاد الروسي بعد استفتاء...
لكن ترامب غير قادر على أية وعود بشأن تايوان...
إن أي إعلان يخرج عن الصيغة المبهمة حول إعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالصين الواحدة سوف يضرب صورة ترامب وغروره في أميركا...
الصين التي احتجت على بيع تايوان أسلحة بأحد عشر مليار دولار تريد من ترامب رفضا صريحا عن تنفيذ العقد الثاني البالغ أربعة عشر مليار دولار؛ فهل يفعلها ترامب ويتعرض لمزيد من الإذلال في واشنطن!
حتى الآن، يبدو كأن أكثر ما يمكن أن يحصل عليه ترامب هو وعود صينية بشراء الصويا لإراحة المزارعين الأميركيين...
لكن شروط الصين لرفع الحظر عن بيع المعادن النادرة التي تسيطر بكين على أكثر من سبعين بالمئة من انتاجها العالمي لن يكون سهلا دون تراجع ترامب عن مسألة حظر بيع شرائح شبه الموصلات الفائقة التقنية، والعودة لاحترام قواعد التجارة الحرة عبر رفع كل القيود أمام الشركات الصينية من انظمة الجيل الخامس لهواوي إلى الذكاء الصناعي الذي باتت الصين لا تبعد كثيرا عن مستوى الولايات المتحدة فيه!...
أما طلبات ترامب أن تزيد الصين استثماراتها في الولايات المتحدة إلى ما يفوق تريليون دولار، فهذا يتطلب من ترامب احترام هذه الاستثمارات والتخلى عن السياسات الحمائية وعن وضع العراقيل أمام رؤوس الأموال الصينية...
ثم كيف سوف يستطيع إيلون ماسك خلق تعاون بين تيسلا الأميركية وBYD الصينية التي باتت تنافس كل السيارات الكهربائية في العالم...
زيارة ترامب للصين تأجلت سابقا على أمل أن يصل الرئيس الأميركي إلى بكين وقد امتلك الورقة الإيرانية...
صحيح ان الصين وروسيا كانتا في السابق تشاركان في حصار إيران وفرض عقوبات عليها؛ لكن الصين استبقت هذه المرة وصول ترامب بإرسال ناقلات نفط وحاملات حاويات ضخمة عبر مضيق هرمز في تحد واضح للحصار الأميركي...
أليس هذا مؤشر كافِِ لاتجاه القيادة الصينية!
غدا تنتهي الزيارة ويعود ترامب على الأرجح أكثر صغرا وأقل وهجا ويتحول الرجل البرتقالي الى الشحوب الأصفر!
غدا سوف تخرج وورلد ستريت جورنال والنيويورك تايمز بعناوين تكرس موت نظرية نهاية التاريخ، وبزوغ عالم جديد متعدد الأقطاب...
وطالما تسيطر إيران على مضيق هرمز، لن تكون طهران بعيدة عن كرسي القطب الرابع الذي تحدث عنه البروفيسور روبرت Pape...
أما لبنان، والمقاومة الإسلامية فهما انتصرا يوم أطلق حزب الله ستة صواريخ افتتح بها معركة العودة إلى المجد والخلود رغم أنف صعاليك بعبدا والسراي وبكفيا ومعراب!
لبنان دخل عصر المقاومة من جديد على أمل أن يحاسب الشعب غدا كل صعاليك البيرة في تل أبيب وعاهرات الشبه بين ازقة بيروت وزواريبها، وأقبية الظوبزة ورفع الأرجل في تل أبيب!