كتب راسم عبيدات:
هذه رسالة صادقة للقيادة الأردنية وصناع القرار فيها من جلالة الملك عبدالله الثاني الى الحكومة والبرلمان وكل دوائر صنع القرار،والقوى والأحزاب والجماهير الأردنية، فعندما يكون هناك مخاطر جدية وحقيقية تمس بثوابت الأمة العقدية والوطنية،يفترض البعد عن المجاملة والمداهنة والرياء،بل يجب ان تكون الرسالة بجوهرها ومضامينها واضحة وحروفها نافرة.
بصفتي من القدس وكمواطن متابع لما يجري فيها،والحرب الشاملة التي تشن عليها من قبل حكومة اليمين والتطرف في "اسرائيل"،وفي كل المستويات والمجالات والميادين وبلا توقف،وبما يطال حياة المقدسيين العرب في أدق تفاصيلها، ويمكن من تحقيق الحسم والسيادة على القدس ومقدساتها،وتغيير مشهدها الكلي من مشهد عروبي - اسلامي- مسيحي أصيل، الى مشهد تلمودي توراتي صهيوني مصطنع،وقلب واقعيها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين،وفي ظل استغلال اسرائيل لفائض قوتها وحالة الضعف وفقدان الإرادة والبوصلة لدول النظام الرسمي العربي،وإنتقال العديد منها ليس فقط للتطبيع مع "اسرائيل"،بل الى التنسيق والتعاون والتحالف العسكري والأمني،وكذلك في ظل حالة التزاوج والتماهي ما بين اليمين التلمودي التوراتي الصهيوني اليميني المتطرف مع اليمين المسياحي الأنجليكاني الأمريكي اليميني المتطرف،هذه السياسة والمواقف التي يعبر عنها بوضوح الكثير من المحافظين الجدد والمتصهينين في الإدارة العليا الأمريكية،وفي المقدمة منها السفير الأمريكي في تل ابيب مايك هاكابي الذي يجاهر ويفتخر بصهيونيته،وكما قال في حفل تخريج طلاب " يشفاه" في نيويورك " أنا صهيوني وأفتخر بصهيونيتي وبدون اعتذار".
لا أحد فلسطينياً ضد تكريس وتثبيت الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس،وكذلك الوقوف بحزم ضد محاولات النيل من هذه الوصاية والعبث بها،من بعض الأطراف العربية،والتي تتحرك في هذا الإتجاه بقرار أمريكي،ونحن هنا نتحدث بالوضوح والصراحة لكي نضع النقاط على الحروف،فهناك من لا يعتبر المسجد الأقصى مقدس إسلامي خالص،ويدعو ويُنظر ويروج للديانة الإبراهيمية،ولعل ما تم الكشف عنه أيضاً من خطة أمريكية جرى تداولها في الصحافة موقع" ميدل ايست أي"،يقودها كوشنير صهر الرئيس الأمريكي رجل الصفقات والعقارات والسفير الأمريكي المفتخر بصهيونيته مايك هاكابي،والقائمة على تحويل الأقصى الى معلم سياحي،ومقدس متعدد الديانات،ودعوة بل والقرار الذي اصدره ترامب الى ثمانية دول عربية وإسلامية بالإنخراط في ما يعرف بالسلام الإبراهيمي واتفاقيات التطبيع مع اسرائيل كتعويض سياسي لها عن فشل أهداف الحرب الكبرى على ايران ، يكشف طبيعة المخطط،ونحن هنا ليس بوارد النقاش والتحليل في الجانب السياسي،بل نحن نتحدث عن قضية عينية،هي قضية المسجد الأقصى،والتي يتعرض الى عملية " التفكيك الصامت" لوضعه الديني والقانوني والتاريخي والدولي، بالإنتقال من إدارة الصراع الى حسم هذا الصراع، بإعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه، بإستخدام أدوات قانونية وامنية.
نحن ندرك من خلال وسياقات ما تقوم به حكومة اليمين والتطرف من إقرار قوانين واتخاذ قرارات وممارسات وأفعال بحق المسجد الأقصى،بأن ما يجري يتعدى التقسيمين الزماني والمكاني، الى استراتيجية استهداف وظيفة المكان،وليس المكان نفسه،كما كان البعض من الجماعات المتطرفة يسعى لإستهداف المكان بالتفجير والتدمير.
ولعل الحكومة الأردنية ودائرة الأوقاف الإسلامية ،إستشعرت المخاطر المحدقة بالأقصى، بعد القيام بإغلاقة لمدة اربعين يوماً،بعد إلحرب العدوانية التي شنتها امريكا واسرائيل على ايران،حيث جرى اغلاق المسجد الأقصى ،وتبرير ذلك بالإجراء الأمني المؤقت،لتوفير الأمن والحماية للمواطنين من الصواريخ الإيرانية،ولكن هذا الإجراء كان ستار يخفي خلفه،مسار سياسي ايديولوجي، يستهدف تغير الوضع القانوني والديني والتاريخي للأٌقصى،وإعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه.
ورأينا في شهر رمضان المبارك ،كيف جرى استهداف البنيتين الإدارية والإعلامية للمسجد الأقصى،وكذلك العمل على نزع الطابع التعليمي والإجتماعي عن الأقصى،وإقرار قانونين بالقراءة الأولى في الكنيست ،احداهما يتعلق بنزع القدسية عن ساحات المسجد والأقصى،واخر ما يسمى بإنقاذ ساحة حائط البراق ،وما ينطوي عليه من تغييرات واسعة في وضع المسجد الأٌقصى،وترافق ذلك مع سعي مستمر لإدخال قرابين الفصح النباتية والحيوانية لساحات الأٌقصى،ورفع الأعلام الإسرائيلية في ساحاته وعلى اسواره في أكثر من مناسبة دينية وقومية،منها ما يعرف بيوم توحيد القدس،وصولاً الى ما يعرف بعيد الأسابيع والفصح التعويضي وغيرها من أعياد ومناسبات دينية وقومية أخرى.
الأردن ودائرة الأوقاف الإسلامية استشعروا الخطر على المسجد الأقصى،والمخططات الإسرائيلية الرامية الى إضعاف سلطة الأوقاف في الإشراف على المسجد الأٌقصى في البداية،وصولاً الى انهاءها بشكل نهائي،وما يستتبع ذلك من إلغاء للوصاية الأردنية على الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية.
الأردن باتت على قناعة بانها لوحدها غير قادرة على لجم هذه المشاريع والمخططات التهويدية المستهدفة لوصايتها على الأٌقصى،وخصوصاً في ظل حالة الضعف والإنهيار العربي والإسلامي الرسمي،وفي ظل تساوق بعض الأطراف العربية في مشروع،تحويل الأقصى الى مكان مقدس للأديان الثلاثة،ولذلك لجأت الى تعويم هذه الوصاية عبر اشراك اطراف عربية وإسلامية،في التصدي لهذه المشاريع والمخططات التهويدية،ولكن تلك الأطراف التي لجأ لديها الأردن،هي غير مستعدة لتوظيف المصالح في خدمة السياسة،ولذلك مواقفها لا تخرج عن دائرة الإسطوانة واللازمة العربية والإٍسلامية،نشجب ونستنكر وندين ونطالب المجتمع الدولي بالإضطلاع بمسؤوليته ..الخ.مع غياب لأي خطوة عملية في هذا الإتجاه.
تعويم الوصاية وسياسة سحب الذرائع ،لن تحمي هذه الوصاية،بل ستعمل على تقويضها، اذا لم تستند الى موقف عربي – إسلامي جامع،بعيداً عن الحساسيات المذهبية والإرتهان للمواقف الأمريكية، فعندما يتشكل موقف جامع وموحد عربي- إسلامي، توظف فيه الإمكانيات والطاقات العربية والإسلامية، اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وتجارية وعسكرية وغيرها، أعتقد هنا يتم إجبار اسرائيل على التوقف عن مخططاتها ومشاريعها لتهويد الأٌقصى واقامة هيكلها المزعوم في قلبه بدل مسجد قبة الصخرة.
وللمراهنين على سياسة سحب الذرائع،نقول بأن هذه السياسة،والتي جرى اختبارها في أرض الواقع، من قطاع غزة الى الضفة الغربية والقدس ولبنان وسوريا،أثبتت فشلها، وبأنه لم تمنع اسرائيل من الإستمرار في مشاريعها ومخططاتها التهويدية، وسياسات الضم والإستيطان في قضم الجغرافيا الفلسطينية والسورية واللبنانية،وكلما جرى التراجع أمام القوة الإسرائيلية الغاشمة،كلما امعنت في فرض شروط سياسية وأمنية جديدة.
ونحن رأينا بأن لبنان الذي اختارت الدولة رئاسة وحكومة المسار الدبلوماسي والسياسي،من أجل الضغط على اسرائيل لوقف عدوانها على لبنان،والإنسحاب من أراضيه المحتلة واعادة النازحين وإطلاق سراح الأسرى،وإطلاق ورشة اعمار، لم تلتزم لا بوقف إطلاق النار ولا بوقف العدوان ولا بالإنسحاب من الأراضي اللبنانية،بل ذهبت الى ابعد من ذلك ،بالتحضير الى عدوان واسع يطال الضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت،والجميع يدرك بأن تدخل الرئيس الأمريكي لإعلان وقف لإطلاق النار وبغض النظر عن طبيعته وأفاقه وحدوده، ولكنه ما كان ليكون،لولا التدخل الإيراني المباشر،عندما هددت بأن استهداف الضاحية والعاصمة بيروت،سيقود الى تدخلها وقوى المحور بشكل مباشر في الحرب ،وقصف مستوطنات الشمال،ونسف مسار التفاوض الأمريكي- الإيراني،وأبعد من ذلك الإنسحاب من منظمة الحد من إنتشار الأسلحة النووية.
نعم حماية الوصاية الأردنية ،ومنع تأكلها أو انهاءها،لن يكون عبر تعويم الوصاية،بل بالضرورة استنفار كل الطاقات العربية والإسلامية،والإستفادة منها في معركة الدفاع عن الأقصى والوصاية الأردنية،بعيداً عن الحساسيات المذهبية،والإرتهان للموقف الأمريكي الشريك للإسرائيلي.
فلسطين – القدس المحتلة
3/6/2026