القاضي أو المحقق الذي سيتولى الاستماع إلى الضابط المسؤول عن القوة الضاربة في أمن الدولة، على خلفية ما جرى في ساقية الجنزير، مدعوّ إلى التنبّه لجملة نقاط أساسية قبل الشروع في التحقيق وتحديد المسؤوليات إن وُجدت بحق الضابط والعناصر.
أولاً، ينبغي التذكير بأن هؤلاء كانوا ينفذون إشارة قضائية تتعلّق بمخالفة ضمن كيان غير شرعي وفق القانون اللبناني. وتنفيذ الإشارة القضائية ليس خياراً انتقائياً، بل واجباً وظيفياً لا يحتمل المساومة أو التأويل السياسي. وبالتالي، فإن مقاربة الوقائع يجب أن تنطلق من هذه القاعدة الصلبة: هم نفّذوا القانون، ولم يبتدعوه.
ثانياً، إذا كان القاضي ملزماً بتطبيق مسار ادعائي صادر عن السلطة التنفيذية، ولا يملك بحكم موقعه تجاهله، فإن ذلك لا يعفيه من مسؤوليته القانونية والأخلاقية في تحصين التحقيق من أي ضغط أو توظيف. العدالة لا تُدار تحت الإملاء، ولا تُصاغ في ظل الترهيب أو الاسترضاء. حماية الضابط والعناصر من الاستهداف السياسي أو الطائفي ليست منّة، بل جزء لا يتجزأ من صون هيبة القضاء نفسه.
ثالثاً، ينبغي الحذر من الانزلاق إلى سابقة خطيرة: تحويل منفّذي القانون إلى متّهمين لمجرّد تبدّل المزاج السياسي. فالقاضي الذي يرضخ اليوم لضغطٍ شعبوي أو سياسي، قد يجد نفسه غداً هدفاً للمنطق ذاته. العدالة الانتقائية لا تلبث أن تأكل مؤسساتها.
رابعاً، ما صدر من سلوكيات وضغوط علنية، بلغ حدّ التهويل السياسي على ضابط وعناصر يؤدّون واجبهم، يجب أن يُقرأ بوصفه عاملاً خارجياً لا قيمة قانونية له. لا ينبغي لمثل هذه الممارسات أن تتسرّب إلى وجدان المحقق أو تؤثّر في مسار الاستماع والتقييم.
أخيراً، من الضروري تثبيت حقيقة بسيطة: “جريمة” هؤلاء الوحيدة، إن صحّ التعبير، أنهم التزموا نصّ القانون ونفّذوا إشارة قضائية. ومن هنا، فإن أي تحقيق جدي يجب أن يميّز بوضوح بين تنفيذ الواجب وبين إساءة استخدام السلطة—إن وُجدت دلائل عليها—لا أن يخلط بينهما تحت ضغط اللحظة.
العدالة هنا على المحك: إمّا أن تكون ميزاناً ثابتاً لا يتأرجح، أو أن تتحوّل إلى أداة تُدار وفق الرياح.
عباس المعلم - كاتب سياسي