ليس الأمر توصيفًا “ملتبسًا” كما تحاولون الإيحاء، بل هو انعكاس واضح لنظرة راسخة داخل دوائر عميقة في الإدارة الأميركية، لا تزال تتعامل مع لبنان بوصفه جزءًا من بلاد الشام الكبرى، لا ككيان مستقل مكتمل السيادة والهوية. وما يزيد هذا الأمر وضوحًا أنّ المبعوث الأميركي توم باراك كان قد صرّح قبل أشهر بإمكانية ضمّ لبنان إلى سوريا، وهو كلام صدر عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية، لا عن هامش سياسي عابر أو تعليق صحافي عابر للحدود.
لو أنّك، يا وزير خارجية “القوات” الانعزالي، تمتلك الحد الأدنى من الجرأة السياسية والسيادية، لكنت يومها أصدرت بيانًا شديد اللهجة، واستدعيت السفير الأميركي للاحتجاج الرسمي على هذا الكلام الخطير الذي يمسّ هوية لبنان وكيانه. لكنّك لم تفعل شيئًا، لأنّ سقف اعتراضك ينخفض دائمًا أمام الأميركي، وتتحوّل “السيادة” التي ترفعون شعاراتها إلى مجرد خطاب انتقائي يُستخدم في الداخل فقط.
حتى الان ، لم تجرؤ على توصيف ما حصل بأنه “خطأ” أو “إساءة” أو “تعدٍّ” على هوية لبنان، بل اخترت كلمة رخوة وباردة من نوع “التباس”، وكأنّ الأمر مجرد سوء فهم لغوي، لا تعبير سياسي وثقافي يعكس نظرة متجذّرة إلى لبنان وموقعه وهويته.
المفارقة أنّكم تتحركون اليوم لتصحيح توصيف أدباء المهجر في نصب نيويورك، فتؤكدون أنّ جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي هم لبنانيون لا سوريون، فيما كنتم بالأمس تلوذون بالصمت أمام تصريح أميركي أخطر بكثير، يتحدث صراحة عن لبنان نفسه لا عن هوية أدبائه فقط.
وهنا تحديدًا تظهر أزمة هذا الخطاب السياسي: سيادة تُستخدم كشعار داخلي، وتُجمَّد بالكامل عند أول اختبار حقيقي أمام النفوذ الأميركي.
عباس المعلم - كاتب سياسي