في خطابٍ يتجاوز كونه موقفًا سياسيًا ظرفيًا، رسم الأمين العام لـ حزب الله الشيخ نعيم قاسم معالم معادلة جديدة تحكم الصراع في لبنان، معادلة لا تكتفي بتثبيت خيار المقاومة بوصفه ردًا على العدوان، بل تربطه مباشرةً بمصير النظام السياسي نفسه، وبسقف اتفاق الطائف كمرجعية دستورية مشروطة لا مطلقة، بحيث لم يعد النقاش يدور حول تكتيكات المواجهة أو حدود التهدئة، بل حول طبيعة الكيان اللبناني وهويته السياسية في لحظة إقليمية شديدة السيولة. من هذا المنطلق، يتأسس الخطاب على فكرة أن المقاومة لم تعد خيارًا من بين خيارات، بل هي التعبير الأعلى عن السيادة الوطنية، وعليه فإن الحديث عن وصول إسرائيل إلى طريق مسدود لا يقتصر على البعد العسكري، بل يعكس سقوط رهان استراتيجي على كسر بيئة المقاومة أو تطويعها، وهو ما يجعل أي طرح للتفاوض المباشر معها خروجًا عن منطق التوازن القائم، لا مجرد اختلاف في الوسائل، إذ يتحول التفاوض هنا من أداة سياسية إلى مدخل لاختراق بنيوي في معادلة الردع، ومن ورقة ضغط إلى تنازل مجاني يُفقد لبنان عناصر قوته التفاوضية قبل أن يبدأ التفاوض أصلًا.
وفي موازاة ذلك، يبرز التحول الأخطر في ربط التمسك باتفاق الطائف بشروط واضحة، وخصوصًا ما يتعلق بثوابت العداء لإسرائيل وتجريم التواصل المباشر معها، ما يعني أن الطائف لم يعد مجرد إطار ناظم للحكم، بل بات خط دفاع سياسي وأخلاقي عن هوية لبنان وخياراته، وبالتالي فإن أي تجاوز أحادي لهذه البنود، سواء من قبل جوزيف عون أو نواف سلام، لن يُقرأ كاجتهاد دستوري أو تعديل سياسي، بل كنسف تدريجي للاتفاق من أساسه، وهو ما يفتح الباب تلقائيًا أمام إعادة التفاوض على مجمل الصيغة اللبنانية، لا على بند واحد منها، بما يحوّل أي خطوة غير محسوبة إلى شرارة تفكيك شامل للنظام الذي قام بعد الحرب الأهلية. في هذا السياق، يتخذ نقد السلطة بعدًا يتجاوز الأداء إلى جوهر الخيارات، إذ إن ما وُصف بالتنازل المجاني لا يُفهم فقط كخطأ سياسي، بل كتحول في وظيفة الدولة من كيان يسعى إلى حماية حقوقه إلى سلطة تبحث عن تسويات بأي ثمن، الأمر الذي يضعها في مواجهة مع جزء أساسي من شعبها، ويهدد بفقدانها شرعيتها الداخلية قبل أي اعتبار خارجي، بينما يطرح الخطاب في المقابل مخرجًا قائمًا على العودة إلى منطق “سلطة الشعب بالتوافق” الذي شكّل أساس الطائف، بما يعني إعادة إنتاج الشرعية من الداخل لا استيرادها عبر ضغوط أو إملاءات خارجية.
هذا التشابك بين الداخلي والإقليمي يظهر بوضوح في الرسالة الموجهة بشكل غير مباشر إلى السعودية، حيث يغمز الخطاب بدورها كضامن تاريخي للطائف، لكنه في الوقت نفسه يحمّلها مسؤولية مباشرة في كبح مسار تفريغه من مضمونه عبر حلفائها في الداخل، لأن أي مساس بالاتفاق لن يؤدي فقط إلى خلل في التوازن اللبناني، بل إلى تراجع النفوذ السعودي نفسه، ما يجعل حماية الطائف مصلحة مشتركة لا موقفًا تضامنيًا فحسب، ويعيد تعريف الصراع في لبنان بوصفه جزءًا من توازنات إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات النفوذ مع ثوابت الجغرافيا السياسية. وفي ذروة هذا البناء، يعيد الخطاب صياغة الخيارات الوطنية ضمن ثنائية حادة بين التحرير والعزة من جهة، والاحتلال والذلة من جهة أخرى، وهي ثنائية لا تهدف فقط إلى التعبئة، بل إلى رسم إطار ذهني يُقاس على أساسه أي قرار سياسي، بحيث تصبح التسويات التي لا تنتهي بانسحاب إسرائيل واستعادة الحقوق مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلًا لها، فيما يُطرح الإعمار وعودة الأهالي كنتيجة طبيعية لمسار الانتصار لا كبديل عنه.
وعليه، فإن لبنان يقف أمام لحظة مفصلية تتجاوز الأزمات التقليدية، إذ إن أي تجاوز لبنود الطائف المرتبطة بالصراع مع إسرائيل لن يكون تعديلًا تقنيًا عابرًا، بل خطوة أولى نحو إعادة صياغة النظام السياسي برمّته، وهي عملية لن تكون كلفتها متوازنة بين المكونات، بل ستصيب في جوهرها التوازنات التي قامت عليها الجمهورية الثانية، ما يضع المكوّن المسيحي في موقع الخاسر الأول سياسيًا ودستوريًا، وفق ما يوحي به هذا المسار، لتغدو الرسالة النهائية في هذا الخطاب واضحة وحادة ،إما الحفاظ على قواعد اللعبة كما هي بكل تناقضاتها، أو الانزلاق إلى لعبة جديدة بالكامل تُكتب قواعدها تحت الضغط، وحينها لن يكون في لبنان منتصر فعلي، بل كيان يعاد تشكيله على وقع الصراع لا التوافق، بما يحمله ذلك من مخاطر مفتوحة على كل الاحتمالات…
عباس المعلم - كاتب سياسي