تفاهمات
مقالات
تفاهمات "الوهم" وصمت "القبور": هل باعت السلطة "سيادة لبنان" لنتنياهو؟
عدنان علامه
27 نيسان 2026 , 21:49 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، مرورًا بتفاهمات نيسان 2026، يتكرر على لسان بنيامين نتنياهو والمتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي تعبير واحد: “نحن نعمل وفق التفاهمات مع لبنان”. عبارة تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تحمل أخطر عملية التفاف على مفهوم وقف الأعمال العدائية.

وهنا لا بد من التذكير دائماً بالبند الأساسي الذي وافقت عليه إسرائيل أمام الوسيط الأمريكي:

​"يلتزم الطرفان (لبنان وإسرائيل) بوقف كامل وشامل لجميع الأعمال العدائية العسكرية فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ. ولا يحق لأي طرف القيام بأي عملية هجومية، بما في ذلك الغارات الجوية أو الاستهدافات الميدانية، تحت أي ذريعة كانت، إلا في حالة الرد المباشر على هجوم مسلح آني ومثبت، وبعد إبلاغ اللجنة الخماسية المشرفة على التنفيذ."

ولا إجتهاد مقابل نص.

ففي تصريح لنتنياهو بتاريخ 26 نيسان 2026، أقرّ صراحة بوجود “قواعد متفق عليها مع الولايات المتحدة ولبنان”، مضيفًا أن “حرية العمل لا تقتصر على الرد، بل تشمل إحباط التهديدات الفورية”.

هذا التصريح بحد ذاته يُسقط الرواية الإسرائيلية التقليدية، التي كانت تنكر وجود أي التزامات، ويؤكد وجود إطار ناظم—لكن يتم استخدامه كغطاء لتبرير الضربات الاستباقية.

والأخطر أن هذا الخطاب لم يكن معزولًا، بل تكرّر بشكل ممنهج منذ اليوم الأول لتوقيع إتفاق وقف إطلاق النار بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024؛ حيث دأبت قيادة الإحتلال على ربط عملياتها العسكرية في لبنان بعبارة "وفق التفاهمات" ، ما يشير إلى محاولة تثبيت معادلة جديدة: وقف إطلاق نار شكلي يقابله تفويض ضمني بضرب أي هدف يُصنّف إس.رائي.ليًا كـ“تهديد”.

لكن، وفق القانون الدولي، وأي صياغة تقليدية لاتفاقات وقف الأعمال العدائية، فإن المبدأ الأساسي واضح:

“وقف جميع العمليات العسكرية والهجومية بين الطرفين، والامتناع عن أي أعمال عدائية برًا وبحرًا وجوًا.”

وهذا يعني أن ما تقوم به إسرائيل—إذا صح توصيفه—ليس تطبيقًا للتفاهمات، بل خرقًا مباشرًا لها، وإعادة تعريف أحادي لبنودها.

وهنا تبرز الإشكالية الأخطر: إذا كانت إسرائيل تعلن صراحة أنها تعمل ضمن “تفاهمات مع لبنان”، وإذا كان هذا الخطاب يتكرر دون أي نفي رسمي لبناني واضح ومباشر، فإن ذلك يضع السلطتين الرئاسية والتنفيذية أمام مأزق سياسي وقانوني كبير. فالصمت في هذه الحالة لا يُفسَّر حيادًا، بل قد يُقرأ كإقرار ضمني أو عجز عن المواجهة.

إن ترك هذه الرواية دون تفنيد يفتح الباب أمام تثبيت سابقة خطيرة: تحويل أي اتفاق لوقف إطلاق النار إلى أداة بيد الطرف الأقوى لشرعنة إعتداءاته، تحت عنوان "إحباط التهديدات" . وهذا تحديدًا ما تسعى إليه إسرائيل—نقل الصراع من حالة عدوان واضح إلى حالة "إدارة أمنية دائمة" تُفرغ السيادة اللبنانية من مضمونها.

والخلاصة أنَّ الصراع لم يعد فقط عسكريًا، بل بات صراعًا على تفسير النصوص:

هل وقف إطلاق النار يعني وقف النار فعلًا؟

أم يعني، وفق الرواية الإسرائيلية، حقًا دائمًا في إطلاقها للنار متى شاءت وتحت أي ذريعة؟

فبين نصٍّ يُفترض أنه يُلزم بوقف الأعمال العدائية، وخطابٍ إس.رائي.لي يشرعن استمرارها، يقف لبنان أمام إختبار سيادي حقيقي: إما تثبيت المعنى القانوني للإتفاق، أو تركه يتحول إلى غطاء مفتوح للعدوان، بموافقة السلطتين الرئاسية والتنفيذية.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

27 نيسان/أبريل 2026