بقلم: د. هناء سعادة
في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، يتداعى فيها النظام الدولي القديم تحت وطأة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها نموذجاً استثنائياً لدولةٍ استطاعت أن تُعيد تعريف مفاهيم القوة، والسيادة، والردع، في مواجهة منظومة هيمنة غربية تقودها الولايات المتحدة، وتتشابك أدواتها مع المشروع الصهيوني في المنطقة.
لقد قامت العقيدة الاستراتيجية الأمريكية لعقود طويلة على ركيزتين: احتكار قرار التصعيد، وتفوق القدرة على إدارة الحروب دون كلفة موازية حقيقية. غير أنّ التجربة الإيرانية، بما راكمته من صبرٍ استراتيجي عميق وبناءٍ تراكميٍّ للقدرات، نجحت في تفكيك هذه المعادلة من أساسها، وانتقلت بالصراع من منطق “الضغط الأحادي” إلى منطق “التكلفة المتبادلة”، حيث لم يعد أي فعل عدائي يُنتج نتائج أحادية الاتجاه، بل ارتدادات مركّبة تُعيد تشكيل ميزان الردع ذاته.
إن ما تحقق في التجربة الإيرانية لا يمكن قراءته خارج سياق التحول البنيوي الذي صنعته الجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة عام 1979، حين اختارت بوضوح كسر التبعية وإعادة بناء الدولة على قاعدة الاستقلال السيادي الكامل. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، دخلت إيران مساراً طويل الأمد من إعادة التأسيس الاستراتيجي، جمع بين بناء المؤسسات، وتطوير القدرات الدفاعية، وترسيخ الهوية السياسية المقاومة لأي شكل من أشكال الإملاء الخارجي.
وفي مراحل لاحقة، تبلورت ما عُرف بـ”عقيدة الصبر الاستراتيجي”، وهي ليست حالة انكفاء، بل هندسة دقيقة لإدارة الزمن السياسي وتحويل الضغط إلى رافعة قوة. فقد نجحت طهران في تحويل العقوبات والحصار ومحاولات العزل إلى أدوات تسريع لبناء الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير منظومات ردع متقدمة جعلت من إيران لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم.
غير أنّ التحول الأعمق في هذه المرحلة يتمثل في الانتقال من منطق الصبر إلى منطق “النصر الاستراتيجي”، أي من إدارة الصراع إلى تثبيت نتائجه البنيوية. فالقوة الإيرانية اليوم لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على فرض معادلات جديدة تُجبر الخصوم على إعادة تعريف حدود حركتهم الاستراتيجية، سواء في الميدان العسكري أو في فضاء الاقتصاد والطاقة والجغرافيا السياسية.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الجيو-اقتصادي لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم مفاصل القوة الاستراتيجية في العالم، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر ردع فعلي، وتصبح حركة الطاقة العالمية جزءاً من حسابات التوازن الإقليمي الذي تشارك إيران في صياغته بفاعلية متزايدة. وهكذا لم يعد الحديث عن الحصار أو الاحتواء ممكناً بالمعايير التقليدية، لأن أدوات التأثير لم تعد حكراً على طرف واحد.
كما أن تعميق الشراكات الاستراتيجية مع قوى دولية صاعدة، وعلى رأسها روسيا والصين، أضاف بعداً جديداً إلى المعادلة، حيث باتت إيران جزءاً من تحولات أوسع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، يتراجع فيه منطق الهيمنة الأحادية لصالح توازنات مركبة تُعيد توزيع القوة والنفوذ على نطاق عالمي.
وفي ضوء ذلك، فإن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس مجرد خصم إقليمي تقليدي، بل نموذج دولةٍ نجح في تحويل الضغط إلى بنية قوة، والعزلة إلى شبكة ارتباطات، والصراع إلى مسار طويل لإعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية. وهو ما يجعل من أي مواجهة معها، عسكرية كانت أو اقتصادية، قراراً عالي الكلفة، لا يمكن حصر نتائجه في إطار جغرافي ضيق أو زمن قصير.
إن جوهر التحول الذي تمثله التجربة الإيرانية لا يكمن فقط في الصمود، بل في القدرة على إنتاج “قواعد اشتباك جديدة” تُنهي عملياً احتكار التصعيد، وتؤسس لمرحلة تتعدد فيها مراكز القرار الاستراتيجي، وتتوزع فيها أدوات القوة، بحيث لا تعود الهيمنة ممكنة خارج حسابات الردع المتبادل.
وبذلك، تقف إيران اليوم كأحد الأعمدة الصلبة في إعادة تشكيل النظام الدولي الناشئ، حيث تتراجع يقينيات الماضي، وتنهار مسلمات التفوق الأحادي، وتولد من قلب الصراع معادلة جديدة عنوانها: لا قوة بلا كلفة، ولا هيمنة بلا ردع، ولا مستقبل للنظام الدولي خارج منطق التوازن والتعدد.