تصريح دونالد ترامب بأن أمير قطر وولي عهد السعودية ورئيس الإمارات طلبوا منه “التريث” في شن هجوم كان مقرّرًا على إيران، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تفصيل دبلوماسي عابر، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة القلق الخليجي الحقيقي من أيّ انفجار إقليمي كبير، ويكشف في الوقت نفسه حجم التناقض بين الخطاب السياسي المعلن لهذه الدول وبين حساباتها الأمنية العميقة عندما تقترب الحرب من مصالحها الحيوية مباشرة.
السؤال الجوهري هنا: لماذا يظهر هذا “الحرص” الآن؟ وأين كان هذا التريث قبل اندلاع حرب الثامن والعشرين من فبراير؟ وأين كانت لغة التحذير من الانفجار الإقليمي حين كانت المنطقة بأكملها تتحول إلى ساحة اشتباك مفتوح، وحين كانت القواعد الأميركية والأصول العسكرية والمصالح الاستراتيجية في الخليج والعراق وسوريا تتعرض بصورة شبه يومية لهجمات مرتبطة بإيران أو بمحور حلفائها؟
هذه الدول نفسها كانت طوال السنوات الماضية جزءًا من منظومة التحالف السياسي والأمني التي قادتها واشنطن في مواجهة طهران، وشاركت بدرجات متفاوتة في الحصار السياسي والاقتصادي والإعلامي المفروض عليها، كما ساهمت في بناء بيئة إقليمية قائمة على الضغط والعزل ومحاولة تطويق النفوذ الإيراني. ولذلك يبدو من الصعب تصديق أنّ أي طلب بالتريث اليوم نابع من “حرص” فعلي على إيران بقدر ما يعكس خوفًا متزايدًا من تداعيات الحرب على الداخل الخليجي نفسه.
فالوقائع التي فرضتها السنوات الأخيرة أثبتت أنّ المظلة الأميركية، رغم ضخامتها العسكرية والسياسية، ليست ضمانة مطلقة لحماية البنى التحتية الخليجية من الهجمات الدقيقة. وقد شكّلت الضربات التي استهدفت منشآت النفط والطاقة سابقًا لحظة مفصلية في وعي هذه الدول، لأنها أظهرت بوضوح أنّ التفوق الأميركي الهائل لم يمنع وصول المسيّرات والصواريخ إلى منشآت حساسة تمثل عصب الاقتصاد الخليجي والعالمي. ومن هنا تحديدًا بدأ يتشكل إدراك أكثر عمقًا داخل العواصم الخليجية بأنّ الحماية الأميركية الكاملة ليست متاحة إلا لإسرائيل، باعتبارها أولوية استراتيجية ثابتة لدى واشنطن، فيما تبقى حماية الحلفاء الآخرين خاضعة لحسابات المصالح والكلفة والتوقيت.
وفي هذا السياق، يصبح منطقياً أن تسعى هذه الدول إلى كسب المزيد من الوقت، سواء لتحسين جاهزيتها الدفاعية، أو لإعادة تموضع منظوماتها الجوية، أو لتقليل احتمالات تعرض منشآت الطاقة والكهرباء والموانئ الحيوية لهجمات انتقامية واسعة في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران. فالحرب مع إيران لا تشبه أي مواجهة تقليدية، لأنها ترتبط بشبكة واسعة من أدوات الرد غير المتناظرة، تشمل المسيّرات بعيدة المدى، والصواريخ الدقيقة، والحرب البحرية، وتعطيل سلاسل الطاقة والإمداد العالمية.
لكن في المقابل، تبقى شخصية ترامب نفسها عنصرًا أساسياً في تعقيد المشهد. فالرجل يتعامل مع السياسة الخارجية بعقلية رجل الأعمال أكثر من عقلية رجل الدولة التقليدي، ويستخدم التهديدات والتراجعات والمواقف المفاجئة كأدوات تفاوض وابتزاز وتحسين شروط. ولذلك لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون قد ضخّم أو أعاد صياغة مواقف هذه الدول بما يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية الداخلية، خصوصًا أنّ ترامب اعتاد إشراك حلفائه في روايات ومواقف يسمعون بها أحيانًا للمرة الأولى عبر الإعلام أو عبر منشوراته الخاصة.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذا الكلام عن الكلفة الاقتصادية الهائلة لأي حرب واسعة مع إيران على الولايات المتحدة نفسها. فالتصعيد العسكري في الخليج يهدد مباشرة أسواق الطاقة العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والمحروقات داخل السوق الأميركية، ما ينعكس تلقائيًا على أسعار النقل والسلع الأساسية والتضخم الداخلي. كما أنّ أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات النفطية يدفع واشنطن إلى استخدام جزء من احتياطها الاستراتيجي للنفط لضبط الأسواق ومنع الانفلات الاقتصادي، وهو ما يضيف أعباء مالية وسياسية إضافية على الإدارة الأميركية.
لذلك، قد يكون “التريث الخليجي” حقيقيًا من جهة، لكنه في الوقت نفسه يلتقي مع حاجة أميركية داخلية إلى إدارة الحرب بعقلية الكلفة والعائد، لا بعقلية الحسم العسكري المجرد. أما ترامب، فمن المرجح أنه يحاول تحويل هذا التريث نفسه إلى صفقة سياسية واقتصادية جديدة، يبيع عبرها لحلفائه في الخليج فكرة أنه “أجّل الحرب بطلب منهم”، تمهيدًا لفتح أبواب أوسع من الاستثمارات والعقود والتفاهمات المالية التي يحتاجها الاقتصاد الأميركي في ظل أعباء المواجهة المفتوحة وتداعياتها على الأسواق العالمية.
وفي المحصلة، تكشف هذه التصريحات أنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها الحرب تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بمدى قدرة الدول على تحمّل كلفة الانفجار الاقتصادي والأمني الناتج عنها. وهنا تحديدًا، يبدو أنّ الخوف الحقيقي لدى كثير من العواصم الخليجية لم يعد من إيران كدولة فقط، بل من تحوّل المنطقة كلها إلى ساحة استنزاف طويلة تضرب النفط والطاقة والاستقرار والأسواق دفعة واحدة.
عباس المعلم - كاتب سياسي