د . مهدي مبارك عبد الله
في لحظة سياسية مشبعة بالتوتر ومفتوحة على كل الاحتمالات يعود المشهد الأميركي الإيراني إلى نقطة مفصلية تختبر حدود القوة وتكتيك البراغماتية في آن واحد حيث يتقاطع منطق الحرب مع حسابات التفاوض في معادلة معقدة لا تحكمها النوايا المعلنة بقدر ما تضبطها موازين الربح والخسارة
المقترح الإيراني الأخير لا يأتي بوصفه مبادرة تقليدية لوقف التصعيد بل كخريطة طريق مدروسة تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات عبر تفكيك العقد الكبرى إلى مراحل تبدأ بوقف الحرب وفتح شريان الطاقة العالمي وتنتهي بملف نووي الذي ظل لعقود محور الصراع وجوهره وفي هذا السياق يجد القرار الأميركي نفسه أمام اختبار مزدوج إما القبول بمسار تدريجي قد يبدو عمليا ومغريا على المدى القصير أو الإصرار على صفقة شاملة تعكس رؤية أكثر صرامة لكنها محفوفة بمخاطر الاستنزاف
الملاحظ ان جوهر لمقترح ليس مجرد عرض تهدئة بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة عبر فصل المسارات التفاوضية وهو ما يتناقض جذريا مع العقيدة التفاوضية التي تتبناها واشنطن والتي تقوم على مبدأ الحزمة الواحدة وهذا التباين ليس تفصيلا تقنيا بل يعكس اختلافا عميقا في فهم كل طرف لطبيعة الصراع وأولوياته وطهران تدرك أن إدخال الملف النووي في بداية التفاوض يعني تقديم الورقة الأقوى منذ اللحظة الأولى بينما ترى واشنطن أن تأجيل هذا الملف يفرغ أي اتفاق من مضمونه الاستراتيجي ويحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة تمنح خصمها فرصة لإعادة التموضع
يضاف إلى ذلك بعد إقليمي ودولي بالغ التعقيد حيث لا تتحرك الأزمة في فراغ بل ضمن شبكة مصالح متشابكة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع مخاوف الدول الإقليمية ففتح الممرات البحرية الحيوية لا يعني فقط استئناف تدفق الطاقة بل إعادة ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي الذي تضرر من الاضطراب كما أن القوى الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على استقرار الإمدادات تجد نفسها معنية بالضغط نحو تسوية سريعة وفي المقابل تخشى بعض القوى الإقليمية من أن يؤدي أي اتفاق مرحلي إلى تعزيز نفوذ طهران وإعادة تدوير أزماتها بدلا من حلها وهو ما يفسر الحذر من دعم تسوية لا تتناول جذور الصراع بشكل مباشر وهذا التداخل يجعل القرار الأميركي أكثر تعقيدا لأنه لم يعد شأنا ثنائيا بل جزءا من معادلة دولية أوسع تتطلب موازنة دقيقة بين التحالفات والمصالح
كما أن البعد العسكري يفرض نفسه بقوة على طاولة القرار حيث يشير التصعيد في الانتشار العسكري إلى أن خيار القوة لم يغادر الحسابات بل يتموضع كأداة ضغط موازية للدبلوماسية وهذا الحضور المكثف لا يهدف فقط إلى الردع بل إلى تحسين شروط التفاوض وإبقاء الخصم تحت ضغط دائم غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر الانزلاق غير المحسوب في الحرب خاصة في بيئة مشحونة بالتوتر وسريعة الاشتعال وأن استمرار الاستنزاف العسكري يطرح تساؤلات داخل المؤسسات الأميركية حول جدوى إطالة أمد المواجهة دون أفق حاسم وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تسوية ممكنة أم إلى إعادة صياغة التوازنات بالقوة
رفض واشنطن المحتمل للمقترح لا يرتبط فقط بمضمونه بل بسياقه السياسي أيضا فالإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد أداة ضغط بل كوسيلة لتحقيق نصر واضح يمكن تسويقه داخليا والقبول بخطة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة يعني عمليا الإقرار بأن الحملة العسكرية والحصار لم يحققا أهدافهما وهو ما يتعارض مع الخطاب السياسي الذي بني على فكرة الحسم والقوة من هنا يصبح التردد الأميركي مفهوما بل ومتوقعا لأن أي تنازل في هذه المرحلة قد يقرأ كإخفاق استراتيجي لا كمرونة دبلوماسية
امام كل ذلك لا يمكن تجاهل الضغوط التي تدفع نحو التعاطي مع الطرح الإيراني بجدية لان استمرار إغلاق الممرات الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات قاسية كما أن كلفة الحضور العسكري المتصاعد في المنطقة تفرض أعباء متزايدة على واشنطن هذه المعادلة تخلق تناقضا داخليا بين الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية حاسمة وبين الحاجة إلى احتواء تداعيات الصراع قبل أن يتحول إلى عبء مفتوح زمنيا وماليا
من جانب طهران المقترح يعكس إدراكا عميقا لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها فهي تسعى جاهدة إلى كسر طوق الحصار واستعادة الحد الأدنى من التدفق الاقتصادي دون الدخول في مواجهة مباشرة حول برنامجها النووي في هذه المرحلة الحساسة كما أن هذا الطرح يمنحها فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تتحول إلى عامل عدم استقرار إذا استمر النزيف الحالي
السيناريوهات المحتملة لما بعد هذا المقترح تتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية أولها استمرار حالة الجمود مع تصعيد محسوب يبقي الباب مفتوحا أمام التفاوض دون الوصول إلى اختراق حقيقي وثانيها التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود يعيد فتح الممرات الحيوية ويؤجل القضايا الخلافية الكبرى وثالثها الانزلاق نحو مواجهة أوسع في حال قررت واشنطن أن كلفة التراجع أعلى من كلفة التصعيد هذا السيناريو الأخير يظل الأقل رغبة لكنه الأكثر حضورا في ظل التراكم العسكري والتصريحات المتناقضة التي تبقي خيار الحرب قائما كأداة ضغط دائمة
ختاما : لا يبدو عمليا أن القرار الأميركي سيتحدد فقط بناء على بنود المقترح الإيراني بل وفق حسابات أوسع تتعلق بصورة القوة ومكانة الردع وموازين السياسة الداخلية المقترح في حد ذاته يفتح نافذة للحل لكنه في الوقت ذاته يكشف عمق الهوة بين رؤيتين متعارضتين لإدارة الصراع وبين هاتين الرؤيتين يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحا هو استمرار لعبة الحافة حيث لا حرب شاملة ولا سلام كامل بل مساحة رمادية تتقاطع فيها الضغوط مع الفرص وتصاغ فيها التسويات على إيقاع القوة لا على حسن النوايا
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية