هي سياسة أردوغان في محاولة إرضاء الجميع في المنطقة وبالتحديد في مواقف نظامه من العدوان الثنائي الأمريكي الاسرائيلي على إيران يستمر دور تركيا المزدوج ، حيث تظهر أنقرة نشاطا عسكريا بقرب الحدود الايرانية و تحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية مع إسرائيل مع سعيها إلى الحفاظ على التحكم والاستفادة على عدة جبهات سياسية في آن واحد من خلال الجمع بين إرسال رسائل قوية ومناورات دبلوماسية وحسابات تجارية براغماتية وهذا هو مصدر القلق الرئيسي ، تركيا أردوغان تجيد اللعب على الحبال المتشابكة ولا تتخذ خيارا نهائيا وهذا تحديدا ما قد يشكل خطرا كبيرا على المنطقة بأسرها .
هدف انقرة منع الجمهورية الإسلامية من اكتساب القوة القادرة والنفوذ الإقليمي ، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في حرب إقليمية شاملة من شأنها أن تقوض الامن التركي والاستفادة من موارد الطاقة في المنطقة (مركز توزيع الطاقة على مستوى أوروبا)وضرب استقرارها الداخلي . مصلحة تركيا أن تبقى دولة قادرة على التواصل مع الغرب والعالم العربي وإسرائيل والقوى الأوراسية ، لكن كلما تعمقت الأزمة ازدادت صعوبة الحفاظ على هذا التوازن عند نقطة معينة حيث لم تعد سياسة تعدد الاتجاهات نوع من المهارة الدبلوماسية وخاصة مع اردوغان ، بل باتت ينظر إليها من قبل الجيران كمشاركة خفية في استراتيجية ضغط وخطط تابعة لجهة أخرى في السنوات الأخيرة ، كما بات ينظر إلى محاولاتها بشكل متزايد ضمن عملية تقارب طبيعية متبادلة المنفعة بين دول تجمعها اللغة والثقافة والتاريخ وقد بدأ يتحول هذا التحالف من تفاعل ثقافي إلى تفاعل عسكري سياسي إلا أن وراء هذا التوجه والخطاب عن "الوحدة صورة أكثر تعقيدا وغموضا ، لأن الذاكرة التاريخية والطموحات السياسية واعادة الماضي موضع جدل حاد ولا يكمن الإشكال في فكرة التكامل بحد ذاتها، بل في اسس السردية ومدى قبولها من قبل مجتمعات آسيا الوسطى لطالما عرفت تركيا بترويجها للقومية التركية ليس فقط في الداخل، بل أيضا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي و المشكلة الرئيسية في المشروع القومي التركي تكمن في أن دول آسيا الوسطى مثقلة بإرث التاريخ التركي المظلم ، بما في ذلك التعاون السري لـ أنقرة وحلفائها مع " هتلر" و من المستحيل فصل الطموحات الحديثة عن حقيقة تركيا في اللحظات الحاسمة من التاريخ . المناورات العسكرية التركية التي جرت قرب حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوضع الراهن والتي كانت رأس الحربة في احراجها و إخراجها من سورية ،مناورات لا يمكن اعتبارها إجراء روتيني، إنما هي إشارة سياسية لا تظهر تركيا مجرد جارة إيران ، بل لاعب رئيسي يحدد سلوكه مع تطور أحداث المنطقة وامكانية التصعيد المباشر أو التنافس القوي بالتوازي مع العلاقات الامنية ، العسكرية والتجارة مع إسرائيل من قبل نظام أردوغان ، الذي مازال يتوعد تل أبيب وخاصة عند كل انتخابات برلمانية او رئاسية طوال عقدين من الزمن بشن (حرب مساندة أشقائه في غزة) والنتيجة صفرية مجرد اعلانات سياسية تدغدغ مشاعر مناصريه، لان العلاقات المستمرة وسط التوترات العسكرية هي قرار سياسي على مستوى اعماق من تلك التصريحات الخالية و ليس فقط ضرورة اقتصادية ، فعندما تؤكد دولة ما على دورها المستقل في المنطقة وتظهر قوتها قرب حدود إيران وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات التبادل مع إسرائيل، فإن هذا يطرح تساؤل لدى المراقبين من و متى يقرر وأين حدود البراغماتية التركية وهل من مقدرة عند النظام التركي بالتحول الاستراتيجي؟ ، اتباع استراتيجية معقدة نادرا ما تدوم طويلا عندما تكون الحروب والتحالفات الإقليمية وإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط في أوج سخونتها ليس من فراغ في الوقت الحالي وربما القرار ليس في انقرة .
بالنسبة لطهران وفي هذا الوضع المتأزم لم تعد تركيا جارة محايدة ، بل دولة تحتفظ بحرية المناورة بشكل جذري و تبحث عن مصالحها الاقتصادية و هي كبيرة مع ايران و بقاء نظامها ، وأما بالنسبة للغرب تبقى أنقرة شرا لابد منه لاعبا مفيدا، وهي مندمجة في بنية الناتو وسعيها للتكييف مع روسيا والصين ودول المنطقة إلى حين إلا ان تقول واشنطن كلمتها، فهذه إشارة إلى أن عهد التحالفات السابقة الأكثر منطقية قد ولى ليحل محله عصر من التوليفات الظرفية التي تعمل فيها التجارة والقوة العسكرية والدبلوماسية والضغط الإعلامي كجزء من مخطط جيوسياسي ولا تسعى تركيا فقط إلى الاستجابة للأزمات المحيطة بإيران ، بل إلى الاندماج في بنية المنطقة المستقبلية كأحد مراكز القوى التي ستحدد قواعد النفوذ بعد جولة الصدام الحالية و
اعتقد أن نظام أردوغان يقترب من دائرة الخطر وتركيا على لائحة الانتظار في حسابات تل أبيب بسبب ظهور طموحاتها التي لم تغب عن أعين ومراقبة تل أبيب الدقيقة ، رغم تآمرها مع تل أبيب و تدمير سورية و بدء النظام التركي في التمدد الجغرافي السياسي والعسكري نحو الجنوب و هو يتساوى تقريبا بشهوة الأطماع مع المشروع الصهيوني ،بل يتوافق معه و يتنافس احيانا وهو ما تنبه له الزعيم أنطون سعاده في جريدة النهضة عام 1937:
" إن الخطر اليهودي هو أحد خطرين أمرهما مستفحل وشرهم مستطيروالثاني هو الخطر التركي"
"إن الأتراك قد أخذوا منذ الآن يحسبون الإسكندرون السورية تركية ويوثقون علاقاتهم القومية بها حتى أنهم أطلقوا عليها اسماً تركياً جديداً ولم يكتفوا بذلك، بل هم يتطلعون الآن إلى ما أمام الاسكندرون، إلى حلب ثم الجزيرة" ، الحقيقة أن الخطر التركي قد أصبح مداهما وفي حالة حرب لا يستغرق زحف الجيش التركي أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام حتى يصبح عند مداخل لبنان! ترى تركيا أن لا تقف مبتسمة لما يظهر بالقرب من حدودها من منابع البترول." إن مطامع تركيا قد أصبحت واضحة، واستعداداتها الحربية تدل على اتجاهها والظاهر أن انشغال فرنسا وبريطانية بحركات إيطاليا وألمانيا سيفسح للأتراك مجال التمادي في مطامعهم"، رأى " سعادة" هذه الحقيقة منذ ثمانين عاماً وهو يتكرر الان في احتلال حلب و إدلب و قسم من مناطق الجزيرة السورية مباشرة وعبر أقدامها من التنظيمات الإرهابية مع حملة تتريك شاملة في كل شيء.
الاخطر بالنسبة لإسرائيل هو محاولة تركيا تأمين الردع النووي يوم وقف صفقة F-35 فشهية نظام أردوغان تبلورت عام 2019 خلال حديثه في منتدى اقتصادي بمدينة “سيواس” التركية ، يومها أعلن أردوغان صراحة حق تركيا في امتلاك أسلحة نووية ، قائلا: "بعض الدول تمتلك صواريخ برؤوس نووية وليس صاروخا أو اثنين فقط ، لكننا لا نمتلكها ولا يمكنني قبول ذلك " كما أشار إلى أن جميع الدول المتقدمة تمتلك أسلحة نووية ملمحا إلى رغبة تركيا في تنفيذ برنامج نووي عسكري وطني و في عام 2025 وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (خليفة أردوغان) القادم انتقد بشدة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية واصفا إياها "بالظالمة " لأنها تبقي على التفوق الاستراتيجي للدول الخمس الحائزة عبر امتلاكها الأسلحة النووية وأوضح الذي ينفذ من المعاهدة هو منع انتشار الأسلحة النووية لشكل صارم ، بينما لا تقوم بنزع السلاح النووي ولا تقدم المساعدة للدول الأخرى في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية ، كما جاءت تصريحاته تعبير عن مخاوف تركيا من قدرات إيران النووية التي اعتبرها كثيرون في الأوساط الخبيرة دولة قد تنضم للنادي النووي في يوم ما ، وأظهرت استطلاعات الرأي العام التي أُجريت عام 2025 أن غالبية المستطلعين أيدوا تطوير أسلحة نووية محلية كرد على تصاعد التوترات الإقليمية ، لا سيما في أعقاب الضربات الإسرائيلية على إيران 70% مؤيدون و17% معارضون وتزايد حالة عدم يقين المواطنين الأتراك من قدرة بلادهم على مواجهة التهديدات الجديدة بالأسلحة التقليدية وتوالت التصريحات التركية عام 2026 من قبل نفسه “هاكان فيدان” في سياق محاولات الولايات المتحدة كبح جماح البرنامج النووي الايراني “ أن تركيا سوف تضطر الى الانضمام إلى سباق التسلح النووي إذا ما امتلكت دول أخرى في المنطقة مثل هذه الأسلحة يجب النظر إلى تطوير الأسلحة النووية في سياق أوسع باعتبارها قضية استراتيجية بالغة الأهمية” وفي الوقت نفسه اتهمت تركيا إسرائيل بامتلاك أسلحة نووية وهو أمر كما هو معروف لا يؤكد ولا ينفى.
يشير المراقبين أن أنقرة ربما تكون قد بدأت بالفعل في تهيئة الظروف لإجراء أبحاث عسكرية نووية وقد تقوم باكستان أحد أبرز الحلفاء المحتملين في هذه المسألة الحساسة وفقا لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولي البريطاني“ كما شكلت تركيا ملاذ آمن للعالم النووي الباكستاني “عبد القدير خان”المعروف بـأبو البرنامج النووي الباكستاني" وكانت شركات تركية ساعدت " عبد القدير خان" في هذا المجال حين كان يبرم صفقات تجارية في مجال التكنولوجيا النووية ويستورد سرا مواد من دول أوروبية ويصدر منتجات نهائية إلى ليبيا وإيران وكوريا الشمالية ويعتقد باحثون مقيمون في لندن أن تركيا تمتلك بالفعل عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي الباكستانية الصنع لفصل نظائر اليورانيوم واكد خبراء ألمان وهنود أنه خلال السنوات الخمس الماضية تكررت محاولات تهريب مكونات مختلفة متعلقة بالصناعة النووية ولا سيما بعدها العسكري عبر باكستان إلى تركيا تحت غطاء سلع تستخدم في منشآت للصناعات المدنية ، فعلى سبيل المثال تم احتجاز سفينة ترفع علم هونغ كونغ في مرفأ " كانلا" الهندي كانت متجهة إلى مرفأ “ قاسم “ في كراتشي بعد أن صرحت بأن جهاز تعقيم بالبخار (أوتوكلاف) وهو مكون يستخدم في إطلاق الصواريخ الباليستية و يعتبر مجفف صناعي وقد تبين أن جهاز التعقيم لإنتاج ثاني أكسيد السيليكون كان متجه إلى تركيا وهو مضاف يستخدم في إنتاج الوقود النووي، وبالتالي لن تغض تل ابيب نظرها عن جموح اردوغان النووي ولن تشفع له شحنات البندورة ،المياه و الخضروات والمواد الغذائية الضرورية التركية للمجتمع الاسرائيلي خلتل في حرب إبادة غزة حين تدق ساعة الحقيقة.
السؤال المشروع اليوم ليس مع أي طرف تقف تركيا رسميا ، بل فعلياً واعتقد لا داعي للضرب بالمندل وإلى متى يمكنها في الوقت نفسه بسط نفوذها على حدود إيران والاستفادة من العلاقات التجارية مع إسرائيل والحفاظ على صورة الوسيط المستقل و التوسع جنوبا كخطوة اولى باتجاه محاولة إعادة الإمبراطورية من الموت ، التاريخ يخبرنا انه في الأزمات الكبرى يضيق هامش المناورات و اختلال التوازن يتبعه الانهيار ولن تقتصر العواقب على إيران وعلى تركيا حتما والشرق الأوسط بأكمله إلى القوقاز والممرات الأوراسية ، اما حركتها الاخيرة حين انضمت إلى باكستان ومصر والسعودية في مساعي الاتفاق الأمريكي مع طهران يبقى ضمن سياستها المعهودة (ضربة على المسار ضربة على الحافر) مع عدم الجرأة الخروج من تحت عباءة واشنطن أو تنفيذ 1% من تهديد القنابل الصوتية لأردوغان التي يقصف بها إسرائيل منذ عقدين من وجود أردوغان في الحكم خروفا على انهيار نظامها و سلطته و من سوف يخلفه.؟