في النزاعات الحديثة، لم تعد الهدن تُقاس بغياب النار، بل بطبيعة الوظيفة التي تؤديها داخل الصراع نفسه. فكثيراً ما تتحول إلى مرحلة انتقالية لإعادة توزيع أدوات القوة، واختبار حدود الردع، وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تحت غطاء دبلوماسي هشّ. ومن هذه الزاوية تحديداً، يبدو الجنوب اللبناني اليوم أمام نموذج مركّب لصراع يتجاوز مفهوم «وقف الأعمال العدائية»، ليدخل في دينامية استنزاف مفتوح تُدار فيها المفاوضات بالنار، ويُستخدم الميدان باعتباره الأداة الأكثر تأثيراً في رسم التوازنات المقبلة.
في لبنان، تحوّلت الهدنة المزعومة إلى حرب مكتملة العناصر ضمن نطاق جغرافي محدد، يمتد حتى الآن على معظم مساحة الجنوب اللبناني. فالعدوان الإسرائيلي لم ينخفض إيقاعه، بل انتقل إلى مستوى أكثر انتظاماً وتصاعداً، بالتوازي مع استمرار عمليات المقاومة واتساع وتيرتها. وعليه، لم يعد الحديث عن «تثبيت لوقف النار» سوى توصيف دبلوماسي هشّ لا يلامس حقيقة المشهد الميداني.
المعادلة القائمة تبدو شديدة الوضوح: إسرائيل تسعى إلى فرض حزام أمني فعلي حتى عمق الليطاني، مقرون بحرية حركة عسكرية واستخبارية كاملة، مع انتزاع حق الرد من لبنان، دولةً ومقاومةً، وتحويل الجنوب إلى مساحة خاضعة لمعادلة الردع الأحادي. في المقابل، ترفض المقاومة هذا المسار رفضاً جذرياً، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل ميدانياً أيضاً، عبر الإصرار على مواصلة استهداف قوات الاحتلال ومواقعه، ورفض العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، حين كان العدو يتفرّد بالضرب والاغتيال والتدمير بلا كلفة مقابلة.
سياسياً، لا يزال فريق المقاومة، المتمثل بحركة أمل وحزب الله، يتمسك بمسارين متوازيين: الرهان على مآلات التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران، والاستثمار في الضغط الميداني بوصفه أداة تعديل للتوازنات. في المقابل، تبدو السلطة اللبنانية أكثر ميلاً إلى خيار الاحتواء الدبلوماسي الكامل تحت المظلة الأميركية، مع استمرار رهان الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على فعالية القنوات التفاوضية المباشرة مع إسرائيل، رغم استمرار الاحتلال وتصاعد الاعتداءات اليومية على الجنوب.
الأكثر دلالة، أن بعض الدوائر القريبة من الرئاسة لا تزال تنظر إلى احتمال لقاء عون بـ بنيامين نتنياهو باعتباره اختراقاً سياسياً قد يفتح الباب أمام إنهاء الحرب أو تخفيف حدتها، رغم أن الخطاب العلني للرئاسة اللبنانية يُظهر تحفظاً واضحاً تجاه أي لقاء قبل وقف العدوان، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الأسرى. غير أن الوقائع المتداولة في الكواليس توحي بأن واشنطن لم تقدّم حتى اللحظة أي ضمانات فعلية بشأن استعداد نتنياهو لتقديم تنازلات مقابلة، سواء في ملف الانسحاب أو الأسرى أو وقف الاعتداءات.
وعليه، فإن حالة الجمود الحالية لا تبدو قابلة للاستمرار طويلاً. فالميدان بلغ مستوى من التشبع يجعل تثبيت «اللاحسم» أكثر صعوبة مع مرور الوقت، كما أن المواقف السياسية للأطراف المعنية تبدو أكثر تصلباً لا أكثر مرونة. لذلك، يصبح سيناريو توسيع التصعيد الاحتمال الأكثر واقعية، وخصوصاً من الجانب الإسرائيلي الذي يتعامل مع جبهة لبنان بوصفها استحقاقاً ينبغي حسم صورته قبل الدخول في مراحل داخلية ضاغطة خلال الأشهر المقبلة.
يدرك نتنياهو أن إنتاج «نصر حاسم» في مواجهة مقاومة تمتلك خبرة تراكمية وبنية اشتباك مرنة يكاد يكون متعذراً عسكرياً، لذلك يبدو أكثر ميلاً إلى تعويض العجز الميداني بصورة سياسية وإعلامية بديلة؛ صورة تُقدَّم داخلياً باعتبارها إنجازاً استراتيجياً، كأن يظهر رئيس الجمهورية اللبنانية في مشهد سياسي يُسوَّق إسرائيلياً بوصفه تكريساً لشروط الردع الجديدة. إلا أن هذا المسار، حتى لو تحقق شكلياً، لا يعني بالضرورة أن إسرائيل مستعدة لتقديم مقابل سيادي للبنان، بل قد يتحول إلى استثمار دعائي داخلي خالص، من دون أي تعديل فعلي في سلوك الاحتلال أو قواعد العدوان.
الأخطر في المشهد، أن التهديدات المنقولة إلى بيروت عبر أكثر من قناة لم تعد تقتصر على توسيع العمليات العسكرية جنوباً، بل تشمل إمكان الانتقال إلى استهداف مباشر للبنية السيادية اللبنانية ومرافق الدولة، في حال جرى تعطيل أو تأجيل المسار السياسي الذي تدفع واشنطن وتل أبيب نحوه. وهذا التطور، إن صحّت دلالاته، يعني أن لبنان يقترب من مرحلة يُعاد فيها استخدام الضغط العسكري ليس فقط لضبط الحدود، بل لإعادة تشكيل القرار السياسي اللبناني نفسه تحت وطأة القوة.
يبدو لبنان اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية: هدنة بلا تهدئة، تفاوض بلا ضمانات، وتصعيد مؤجل أكثر منه متراجع. أما الرهان على إدارة الوقت، فقد يتحول سريعاً إلى خطأ استراتيجي إذا استمرت الأطراف في التعامل مع المشهد بوصفه أزمة قابلة للاحتواء، فيما الوقائع تشير إلى أنه يتجه تدريجياً نحو إعادة صياغة شاملة لقواعد الاشتباك والسيادة معاً. وفي مثل هذه اللحظات، غالباً لا تكون الكلفة الكبرى في اندلاع الحرب نفسها، بل في التنازلات التي تُفرض تحت عنوان منعها.
عباس المعلم - كاتب سياسي