عيد الشهداء … ذاكرة الدم في مواجهة النسيان
مقالات
عيد الشهداء … ذاكرة الدم في مواجهة النسيان
عمر حمد
6 أيار 2026 , 11:59 ص

في السادس من أيار من كل عام، لا تقف سوريا ولبنان عند حدود إحياء ذكرى عابرة، بل تستحضران واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخهما الحديث: عيد الشهداء في سوريا ولبنان. إنها ذكرى الإعدامات التي نفذتها سلطات الدولة العثمانية بحق نخبة من المفكرين والسياسيين العرب، في محاولة لإخماد صوت الحرية المتصاعد آنذاك.

لم تكن تلك الإعدامات حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن سياسة قمع ممنهجة قادها جمال باشا، الذي لُقّب بـ"السفاح" نتيجة حملات الاعتقال والإعدامات الواسعة التي طالت آلاف الناشطين والمثقفين. لقد أدركت السلطة العثمانية في ذلك الوقت أن الكلمة الحرة أخطر من السلاح، وأن الوعي القومي العربي المتنامي يشكّل تهديدا مباشرا لبقائها، فاختارت أن تواجهه بالمشانق بدل الحوار.

إن استهداف النخب لم يكن عبثيا، بل كان محاولة لقطع رأس المجتمع فكريا وسياسيا. فالمثقفون الذين أُعدموا في دمشق وبيروت لم يكونوا مجرد أفراد، بل كانوا مشروع نهضة، ورموزا لحلم الاستقلال والكرامة. لذلك، فإن ما جرى في 6 أيار 1916 لا يمكن فصله عن سياق أوسع من القمع، شمل الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والتجويع، وسياسات التتريك التي هدفت إلى طمس الهوية العربية.

اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن، تبرز أهمية هذه الذكرى ليس فقط كواجب أخلاقي تجاه من ضحّوا، بل كضرورة تاريخية لتوثيق الجرائم التي ارتُكبت في تلك الحقبة. فالتاريخ الذي لا يُكتب بصدق، يُعاد إنتاج مآسيه بأشكال مختلفة. ومن هنا، فإن الحفاظ على ذاكرة عيد الشهداء هو جزء من معركة الوعي، في مواجهة محاولات التجميل أو التبرير التي قد تطال تلك المرحلة.

إن إحياء هذه الذكرى يجب أن يتجاوز الطقوس الشكلية، ليصبح فعلا ثقافيا وسياسيا يعيد الاعتبار للحقيقة، ويُرسّخ في الأجيال القادمة أن الحرية لم تكن يوما منحة، بل ثمرة تضحيات جسام. كما أنه يشكّل فرصة لإعادة قراءة التاريخ بعيون نقدية، بعيدًا عن الروايات الرسمية التي قد تُغفل أو تُحرّف.

في المحصلة، يبقى عيد الشهداء شاهدا حيا على أن القمع قد ينجح في إسكات الأصوات مؤقتا، لكنه يعجز عن قتل الفكرة. فالأفكار التي صعدت إلى المشانق قبل أكثر من مئة عام، لا تزال حيّة، تُذكّرنا بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، لا تُهزم.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري