حين يصبح ضبط النفس نقطة ضعف، من التسامح إلى استباحة المحرّمات، عندها لا مكان لأنصاف المواقف.
مقالات
حين يصبح ضبط النفس نقطة ضعف، من التسامح إلى استباحة المحرّمات، عندها لا مكان لأنصاف المواقف.
حسن علي طه
7 أيار 2026 , 10:24 ص

كتب حسن علي طه

عندما تتشكّل الأحزاب والمنظمات، تبدأ نواتها بفكرة يلتقي عليها جمعٌ من الأفراد.

تتبلور الفكرة لتصبح ميثاقًا يجمعهم ضمن رؤية تقود إلى تحقيق الأهداف.

ومع الوقت، تمنح الجماهير ثقةً قد تصل حدّ العمى لقيادةٍ ترى فيها الحافظ والأمين على تطلعاتها.

تكبر المنظمات بقدر اقترابها من طموحات ناسها،

وهذا ما حصل في لبنان مع المقاومة وجمهورها،

التي بدأت بقلةٍ من “المجانين” الذين آمنوا أن العين تقاوم المخرز.

لم تستثمر المقاومة يومًا إنجازاتها في الداخل اللبناني، وارتضت أن تبقى كسائر الفرقاء،

وكان جلّ همّها حماية ظهرها وصون بيئتها.

في سبيل ذلك، سامحت وتساهلت حتى مع العملاء ،

وغضّت الطرف عن الفساد وأهله،

وقدّمت أولوية السلم الأهلي والتعايش المشترك على ما سواهما.

غير أن هذا النهج، مع الزمن، تحوّل من عنصر قوة إلى نقطة ضعف،

إذ فتح الباب أمام كل حاقدٍ وتافهٍ وفاسدٍ للتطاول على المقاومة ومقدساتها من الشهداء والعلماء،

حتى بات يُتعامل معها على قاعدة أنها لن تخرج عن سقف ردود الفعل المضبوطة.

هنا تحديدًا تكمن الإشكالية:

حين تصبح ردود الفعل متوقعة، تتحوّل إلى معادلة مكشوفة،

وحين تُقرأ المواقف قبل اتخاذها، يفقد الموقف قيمته الردعية.

ما نشهده اليوم من مؤمرات قديمة جديدة، وما بلغه رؤوساء السلطة،

لم يعد يحتمل قرارات رمادية أو حلولًا وسط .

فعندما يصبح التعامل مع العدو وجهة نظر لدى شريحة وازنة،

تعلن موقفها بلا مواربة،

فإن الحسم في مقاطعتها وعدائها لا يعود خيارًا من بين خيارات، بل ضرورة لا بديل عنها.

فالسكوت عن هذا التحول، أو مهادنته،

ليس حيادًا، بل إضفاء شرعية على الانحدار نحو التطبيع والانبطاح.

وما مواقف سامي الجميل من عقيدة الشيعة إلا نتيجة طبيعية لمسارٍ طويل من التراكمات والتنازلات.

“الموقف سلاح”، قالها شيخ الشهداء راغب حرب،

وهي ليست عبارة عابرة، بل قاعدة في معادلات الصراع.

ولعلّ بروز أصوات إعلامية،

أمثال الدكتور جهاد أيوب،

والأستاذ حسن عليق،

والإعلامية راشيل كرم،

وغيرهم،

كمعبرٍ عن نبض الناس وطموحاتهم،

يشير بوضوح إلى فجوةٍ آخذة في الاتساع بين الشارع والخطاب السياسي.

هذه الفجوة تفرض مراجعةً جدية،

لأن ثقة الناس ليست تفويضًا مفتوحًا،

بل مسؤولية تُحتّم اتخاذ قرارات تنسجم مع حجم التضحيات.

أما التردد، أو تأجيل الحسم،

فهو في نظر الجماهير طعنٌ لأحلامها وامالها،

وإضعافٌ للمعنى الذي قاتلت من أجله.

من هنا، يصبح قول الحقيقة واجبًا لا يحتمل التأجيل،

وإن تعذّر ذلك، فالتنحي أولى وأشرف من إدارة مرحلةٍ بلا وضوح.

كما كانت البدايات قائمة على انسجام الرؤية بين القيادة والجمهور،

فإن المرحلة اليوم تحتاج إلى إعادة صياغة سياسات تعيد للمواقف وهجها،

وتستعيد عنصر المفاجأة والقدرة على المبادرة.

لم تعد المرحلة تحتمل ازدواجية اللغة،

ولا القرارات وردود الأفعال التي تُقرأ لدى الخصم قبل إعلانها.

الجماهير التي قدّمت الدم،

لا تنتظر خطابات تبرير،

بل مواقف ترتقي إلى مستوى تضحياتها.

فالأمم لا تسقط فقط بفعل أعدائها،

بل حين تفقد الجرأة على قول الحقيقة، واتخاذ القرار مهما كان قاسيًا.

وحين يصبح التعامل مع العدو وجهة نظر،

يصبح الصمت شراكة،

ويغدو التراجع طعنًا في ذاكرة الذين صنعوا المجد بدمائهم.

لهذا، فإن إعادة الوهج إلى المواقف ليست ترفًا سياسيًا،

بل ضرورة لحماية المعنى الذي قامت عليه القضية منذ بداياتها الأولى.

وخير ختام قول الإمام عليه السلام:

حين سكت أهل الحق عن الباطل توهّم أهل الباطل أنهم على حق. والسلام.