دَمْعَةُ الوَدَاعِ وَقَبْضَةُ الاسْتِمْرَارِ: نَحْوَ تَوَازُنٍ يَحْفَظُ قُدْسِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَإِنْسَانِيَّةَ المَوْقِفِ
مقالات
دَمْعَةُ الوَدَاعِ وَقَبْضَةُ الاسْتِمْرَارِ: نَحْوَ تَوَازُنٍ يَحْفَظُ قُدْسِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَإِنْسَانِيَّةَ المَوْقِفِ
موسى عباس
10 أيار 2026 , 21:40 م

كتب: موسى عبّاس

فِي زَمَنٍ غَدَا فِيهِ التَّشْيِيعُ مَشْهَداً يَوْمِيّاً، يَبْرُزُ سُؤَالٌ يُلَامِسُ الوِجْدَانَ وَالشَّرْعَ مَعاً: كَيْفَ نُوَدِّعُ مَنْ افْتَدَى الأَرْضَ بِدَمِهِ؟ هَلِ المَقَامُ مَقَامُ حُزْنٍ وَخُشُوعٍ، أَمْ مَقَامُ فَخْرٍ وَزَخَمٍ جَمَاهِيرِيٍّ؟ إِنَّنَا اليَوْمَ أَمَامَ وَاقِعٍ يَتَنَازَعُهُ مَوْرُوثٌ شَرْعِيٌّ رَصِينٌ، وَبَيْنَ ثَقَافَةٍ اسْتَجَدَّتْ فَرَضَهَا إِيقَاعُ المُوَاجَهَةِ وَضَرُورَاتُ المَشْهَدِ الإِعْلَامِيِّ، مِمَّا جَعَلَنَا أَمَامَ ضَرُورَةٍ لِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ التَّوَازُنِ الَّذِي يَحْفَظُ لِلشَّهَادَةِ جَلَالَهَا، وَلِلْحُزْنِ طَهَارَتَهُ، وَلِلْمُقَاوَمَةِ اسْتِمْرَارِيَّتَهَا.

أَوَّلاً: الوَقَارُ المَفْقُودُ فِي رِحْلَةِ الخُلُودِ

الأَصْلُ فِي تَشْيِيعِ الجَنَائِزِ، كَمَا وَرَدَ فِي هَدْيِ النُّبُوَّةِ وَسِيرَةِ الأَوْصِيَاءِ، هُوَ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ. كَانَتِ الجَنَازَةُ "مَدْرَسَةً لِلرُّوحِ"، مَشْياً صَامِتاً يَتَخَلَّلُهُ ذِكْرُ اللهِ وَالتَّفَكُّرُ فِي المَآلِ. إِنَّ اسْتِبْدَالَ "التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ" بِالهُتَافَاتِ المُنَظَّمَةِ، وَ"الصَّمْتِ الوَاعِظِ" بِالمَعَازِفِ وَالإِيقَاعَاتِ، يَطْرَحُ تَسَاؤُلاً جَوْهَرِيّاً: هَلْ تَخْدُمُ هَذِهِ المَظَاهِرُ رُوحَ الشَّهِيدِ بِقَدْرِ مَا تَخْدُمُ المَشْهَدِيَّةَ العَامَّةَ؟ إِنَّ كَرَامَةَ الشَّهِيدِ تَقْتَضِي أَنْ يُزَفَّ إِلَى رَبِّهِ فِي مِسَاحَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنَ الهَيْبَةِ، بَعِيداً عَنْ صَخَبِ الدُّنْيَا الَّذِي غَادَرَهُ بِمِلْءِ إِرَادَتِهِ.

ثَانِيّاً: مُغَالَبَةُ الوَاقِعِ.. سَدّاً لِذَرَائِعِ الأَعْدَاءِ

نَحْنُ نُدْرِكُ تَمَاماً أَنَّ خَلْفَ عَدَسَاتِ الكَامِيرَاتِ إِعْلَاماً مُعَادِياً يَتَرَبَّصُ بِالبِيئَةِ المُقَاوِمَةِ، يَبْحَثُ عَنْ "دَمْعَةِ انْكِسَارٍ" أَوْ "صَرْخَةِ وَجَعٍ" لِيُعِيدَ صِيَاغَتَهَا كَدَلِيلٍ عَلَى "عَدَمِ الرِّضَا" أَوْ تَرَاجُعِ المَعْنَوِيَّاتِ. هَذَا الوَاقِعُ هُوَ مَا يَدْفَعُ عَوَائِلَ الشُّهَدَاءِ وَالمُنَظِّمِينَ إِلَى :

"مُغَالَبَةِ الوَاقِعِ الفِطْرِيِّ؛ فَيَتَسَامَوْنَ فَوْقَ جِرَاحِهِمْ وَيُظْهِرُونَ أَقْصَى دَرَجَاتِ الجَلَدِ وَالتَّمَاسُكِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ. هَذَا "التَّمَاهِي" مَعَ مَشْهَدِ القُوَّةِ هُوَ فِعْلٌ جِهَادِيٌّ نَبِيلٌ، لَكِنَّ الخَشْيَةَ تَكْمُنُ فِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى قَيْدٍ يَمْنَعُ الإِنْسَانَ مِنْ مُمَارَسَةِ حُزْنِهِ الطَّبِيعِيِّ حَتَّى فِي خَلْوَتِهِ، أَوْ أَنْ يُلْغِيَ وَقَارَ الجَنَازَةِ الشَّرْعِيَّ بِذَرِيعَةِ "الحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ".

ثَالِثاً: الإِعْلَامُ.. بَيْنَ صِنَاعَةِ الصُّورَةِ وَحِفْظِ الحَقِيقَةِ

يَلْعَبُ الإِعْلَامُ دَوْراً مِحْوَرِيّاً فِي هَذَا الصِّرَاعِ؛ فَالمَطْلُوبُ هُوَ "صُورَةُ العِزَّةِ" لَا **"صُورَةُ التَّكَلُّفِ"**.

—المَسْؤُولِيَّةُ الإِعْلَامِيَّةُ:

يَجِبُ عَلَى الإِعْلَامِ المُقَاوِمِ أَنْ يُبْرِزَ "الدَّمْعَةَ الصَّابِرَةَ" كَعُنْصُرِ قُوَّةٍ، لَا كَنُقْطَةِ ضَعْفٍ. فَبُكَاءُ الحُسَيْنِ (ع) عَلَى وَلَدِهِ عَلِيٍّ الأَكْبَرِ لَمْ يَكُنْ ضَعْفاً، بَلْ كَانَ وَقُوداً لِلثَّوْرَةِ.

توزيعُ المَقَامَاتِ:

يُمْكِنُنَا حِرْمَانُ العَدُوِّ مِنْ "فُرْصَةِ الشَّمَاتَةِ" عَبْرَ تَكْثِيفِ مَظَاهِرِ القُوَّةِ وَالحَمَاسَةِ فِي "مِهْرَجَانَاتِ التَّأْبِينِ" وَالوَقَفَاتِ التَّعْبَوِيَّةِ، مَعَ إِعَادَةِ "الهُدُوءِ وَالسَّكِينَةِ": لِمَرَاسِمِ التَّشْيِيعِ الجَنَائِزِيِّ. هَكَذَا نَفْصِلُ بَيْنَ "رِسَالَةِ القُوَّةِ" المُوَجَّهَةِ لِلْعَدُوِّ، وَبَيْنَ "حَقِّ المَيِّتِ" فِي السَّكِينَةِ وَالذِّكْرِ.رَابِعاً: نَحْوَ قُوَّةٍ دَافِعَةٍ لَا تَنْكَسِرُ

المَطْلُوبُ لَيْسَ تَحْطِيمَ المَعْنَوِيَّاتِ، بَلْ تَحْوِيلُ الحُزْنِ إِلَى طَاقَةِ دَفْعٍ ذَكِيَّةٍ. إِنَّ احْتِرَامَ "حَقِّ الحُزْنِ" يُعَزِّزُ مِنْ إِرَادَةِ المُوَاجَهَةِ وَلَا يُضْعِفُهَا:

1. "الصَّوْنُ الشَّرْعِيُّ:"

بِإِعَادَةِ الهَيْبَةِ وَالوَقَارِ لِمَسَارِ الجَنَازَةِ كَمَا أَرَادَهَا اللهُ؛ فَالصَّمْتُ المَهِيبُ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي نُفُوسِ الأَعْدَاءِ مِنَ الضَّجِيجِ.

2. "الصَّوْنُ الإِنْسَانِيُّ":

بِاحْتِضَانِ أَهْلِ الشَّهِيدِ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِكَلِمَاتِ التَّعْزِيَةِ الَّتِي تَجْبُرُ كَسْرَهُمْ، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ حُزْنَهُمْ هُوَ وِسَامُ شَرَفٍ، لَا ثُغْرَةٌ يَتَسَلَّلُ مِنْهَا العَدُوُّ.

3. "الصَّوْنُ التَّعْبَوِيُّ":

بِشَحْنِ الهِمَمِ فِي الفَعَالِيَّاتِ الَّتِي تَسْبِقُ أَوْ تَلِي التَّشْيِيعَ، حَيْثُ تُرْفَعُ القَبَضَاتُ وَتُجَدَّدُ البَيْعَةُ لِإِكْمَالِ الطَّرِيقِ.

إِنَّ الشَّهِيدَ قَدْ أَوْصَلَ رِسَالَتَهُ بِأَبْلَغِ بَيَانٍ عَبْرَ دَمِهِ الطَّاهِرِ. فَلْنُحَافِظْ عَلَى مَنْظُومَةِ قِيَمِ الشَّهَادَةِ مُتَكَامِلَةً: تَضْحِيَةٌ تُبْذَلُ، وَدَمٌ يُسْفَكُ، وَدَمْعَةٌ تُسْكَبُ بِوَقَارٍ، وَقَبْضَةٌ تَشْتَدُّ عَلَى السِّلَاحِ. نَحْنُ أُمَّةٌ لَا تَنْكَسِرُ بِالدُّمُوعِ، بَلْ تَزْدَادُ بِهَا طَهَارَةً وَعَزْماً. فَلْنُعْطِ الجَنَازَةَ وَقَارَهَا، وَلْنُعْطِ المَيْدَانَ حَمَاسَهُ، وَلْنكُنْ كَمَا أَرَادَنَا اللهُ: **"أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ".

رَحِمَ اللهُ شُهَدَاءَنَا، وَأَفْرَغَ عَلَى قُلُوبِ ذَوِيهِمْ صَبْراً جَمِيلاً.

شواهد من مدرسة الصبر والدمعة:

• النبي الأكرم ﷺ: بكى عند استشهاد عمه حمزة حتى "شَهِق"، وعند وفاة ولده إبراهيم قال مَنهاجَه الخالد: "إنّ العَينَ تَدمَع والقَلبَ يَحزَن ولا نَقولُ إلا ما يُرْضِي رَبَّنا"؛ ففصل بين فطرة الألم وموقف الرضا.

• الإمام علي (ع): بكى "مالكاً الأشتر" على المنبر وأظهر لوعته أمام الناس قائلاً: "للهِ دَرُّ مَالِك! لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً"؛ ليعلّمنا أنّ الحزن على غياب القادة هو جزءٌ من الوفاء لنهجهم.

• الإمام زين العابدين (ع): اتخذ من الدمعة سلاحاً رسالياً طيلة أربعين عاماً، وكان يقول: "أما حُزني فَسَرْمَد"؛ فحوّل الحزن الصادق إلى قوة ذاكرة منعت ضياع أهداف الثورة، وأثبتَ أنّ "الدمعة الواعية" هي وقود الاستمرار.

الخلاصة: هؤلاء القادة بكوا بقداسة وصمدوا بشجاعة، ولم يَروا في دمعة الوداع نقيضاً للقوة، بل رأوا فيها اعترافاً بقيمة الإنسان وضريبةً للوفاء.