يردّد الرئيس جوزيف عون في مواقفه واتصالاته مع الجانب الأميركي أنّه يعمل باتجاه “تثبيت وقف إطلاق النار”، غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هو وقف إطلاق النار أصلًا؟ وأين تتجلّى الهدنة على أرض الواقع؟ وفي أيّ منطقة أو بقعة يمكن للبنانيين أن يلمسوا آثار هذا “الاستقرار” المعلن سياسيًا والمنفي ميدانيًا؟
فالوقائع اليومية لا تعكس مشهد هدنة، بل تؤكد استمرار حرب مفتوحة ومتعددة المستويات ضد لبنان، تمتد من الجنوب إلى البقاع، مرورًا بالضاحية الجنوبية والطرقات الساحلية وصولًا إلى بيروت. الغارات الجوية والمسيرات الهجومية لا تتوقف، والقصف المدفعي مستمر بوتيرة مرتفعة، فيما تتواصل عمليات التدمير الممنهج للمنازل والبنى السكنية، ويتفاقم المشهد الإنساني مع اتساع رقعة النزوح وارتفاع أعداد المتضررين.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أنّ الخطاب الرسمي اللبناني يتعامل مع مفهوم “تثبيت وقف إطلاق النار” بوصفه هدفًا سياسيًا ودبلوماسيًا، بينما تتعامل إسرائيل مع المشهد من زاوية مختلفة بالكامل، تقوم على اعتبار أنّ الجبهة الشمالية لا تزال ساحة عمليات مفتوحة. وهذا ما عبّر عنه بوضوح رئيس الأركان الإسرائيلي حين أعلن صراحة أنّه “لا يوجد وقف لإطلاق النار في الجبهة الشمالية”، محددًا أهدافًا عملياتية تتعلق بمنع تهديد الصواريخ المضادة للدروع، ومنع التسلل إلى الجليل، وتهيئة الظروف لتفكيك حزب الله.
هذا التناقض الفج بين الخطاب اللبناني والخطاب الإسرائيلي يكشف أزمة جوهرية في توصيف الواقع. فبينما تتحدث السلطة اللبنانية عن هدنة تحتاج إلى تثبيت، تعلن إسرائيل عمليًا أنّها لا تعترف أصلًا بوجود وقف لإطلاق النار، بل تتعامل مع لبنان كساحة مفتوحة لحرية الحركة العسكرية والأمنية والاستخبارية. ومن هنا، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل المطلوب من الدولة اللبنانية تثبيت وقف إطلاق نار غير موجود، أم تثبيت معادلة أمنية جديدة تُبقي لبنان تحت الضغط والاعتداء الدائم؟
الأخطر من ذلك أنّ إسرائيل لا تكتفي بإدامة حرية عملها العسكري داخل الأراضي اللبنانية، بل تسعى في الوقت نفسه إلى تحميل السلطة اللبنانية مسؤولية تنفيذ أجندة أمنية تتصل مباشرة بمستقبل سلاح حزب الله. فهي تريد من الدولة اللبنانية أن تقوم بمهمة نزع السلاح أو تفكيك البنية العسكرية للحزب، من دون أي ضمانات فعلية بوقف الاعتداءات أو احترام السيادة اللبنانية، ومن دون أي التزام متبادل يحدّ من التفوق العسكري الإسرائيلي أو من حرية الاستهداف والاغتيال والقصف.
وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات السياسية والأمنية في المرحلة الحالية. فطرح ملف سلاح المقاومة تحت ضغط الحرب والعدوان الخارجي، وفي ظل انقسام داخلي حاد، لا يحمل فقط أبعادًا أمنية، بل يهدد بإعادة إنتاج توترات داخلية عميقة قد تمسّ وحدة البلاد والسلم الأهلي اللبناني. لأنّ أيّ محاولة لفرض معالجة داخلية بالقوة أو تحت الضغط الخارجي ستُقرأ لدى شريحة واسعة من اللبنانيين باعتبارها استجابة للإملاءات الإسرائيلية والأميركية، لا باعتبارها نتيجة توافق وطني داخلي.
وفي المقابل، تبدو المعادلة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها شديدة الوضوح: لبنان الرسمي مطالب بضبط الحدود الجنوبية، ومنع أي تهديد للمستوطنات الشمالية، وتحويل الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية إلى قوة مراقبة واستقرار تخدم الأمن الحدودي الإسرائيلي، فيما تحتفظ إسرائيل لنفسها بحق الطيران والقصف والاغتيال والتوغل متى تشاء، ومن دون أي التزام متبادل بمبدأ السيادة أو وقف الأعمال العدائية.
أي أنّ المطلوب، عمليًا، هو تحويل الدولة اللبنانية إلى حارس أمني للحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، مقابل منح إسرائيل حرية مطلقة بالحركة والعمل العسكري داخل لبنان. وهذه ليست معادلة وقف إطلاق نار متوازن، بل صيغة اختلال استراتيجي تُبقي لبنان مكشوفًا أمنيًا وسياديًا، وتحوّل مفهوم “الاستقرار” إلى مرادف لإدارة العدوان لا إنهائه.
ومن هنا، فإنّ الاستمرار باستخدام مصطلحات من قبيل “الهدنة” و”تثبيت وقف إطلاق النار” بمعزل عن الوقائع الميدانية والسياسية، يساهم في إنتاج صورة مضللة عن حقيقة ما يجري. فالواقع القائم لا يشبه بأيّ معنى سياسي أو عسكري مفهوم الهدنة، بل أقرب إلى محاولة تثبيت واقع حرب منخفضة الوتيرة، تتحكم إسرائيل بسقفها وإيقاعها وتوقيتها، فيما يُطلب من لبنان التكيّف معها باعتبارها أمرًا واقعًا.
لذلك، فإنّ الحد الأدنى من الواقعية السياسية يقتضي إعادة صياغة الخطاب الرسمي اللبناني على قاعدة الاعتراف بأنّ لبنان لا يزال يعيش تحت حرب مفتوحة، وأنّ المطلوب ليس “تثبيت وقف إطلاق النار”، بل فرض وقف فعلي وشامل للعدوان، قائم على التزامات متبادلة واحترام واضح للسيادة اللبنانية، لا على معادلة أمنية تمنح طرفًا كامل حرية الاعتداء، وتُلزم الطرف الآخر فقط بواجبات الضبط والمنع والحراسة.
عباس المعلم - كاتب سياسي