بين
مقالات
بين "غباء" شامير وعمالة الداخل: حين تغدو السلطة خنجراً في خاصرة الوطن.
موسى عباس
15 أيار 2026 , 22:52 م

بقلم: موسى عبّاس

لا يبدأ هذا الحديث من أروقة السياسة اللبنانية المتهالكة، بل يبدأ من حقيقة صادمة نطق بها العدو على لسان الكاتب والسياسي الإسرائيلي "موشي شامير": "ورقة القوة الوحيدة التي تمتلكها الدولة اللبنانية ضدنا هي ورقة المقاومة.. وأنا أتعجب من غباء بعض الساسة اللبنانيين الذين يعملون لإنهاء حالة المقاومة.. فهم يساعدوننا على احتلال بلدهم".

هذا الاعتراف الصارخ هو "مانيفستو" العمل الصهيوني في لبنان، وإقرار بأن العدو يراهن على "عمالة بياقات بيضاء" من داخل قمة الهرم السياسي. واليوم، نعيش اللحظة التي تحول فيها هذا الرهان إلى خيانة موصوفة مكتملة الأركان.

أولاً: البيئة الحاضنة.. وعيٌ يكسر نصال الفتنة

وسط هذا المشهد المظلم، تبرز *البيئة الحاضنة للمقاومة* كصخرة تتحطّم عليها كل مشاريع الاستثمار في الألم. إنها البيئة التي تدرك بعمق خطورة الانجرار وراء الاستفزازات الممنهجة، لا سيما تلك الإهانات التي تستهدف رموز المقاومة، والتي تصدر عن مراجع وقوى دينية وسياسية اتخذت صف العداء الصريح.

هذا الوعي الشعبي هو الذي أفشل محاولات جرّ الشارع إلى صدامات داخلية كانت "تل أبيب"تنتظرها بفارغ الصبر. فرغم الآلام اليومية، والنكبات التي تصيب البيوت والأرزاق، ورغم أن العالم بأجمعه يتفرج بصمت مريب، بقيت هذه البيئة ثابتة، صامدة، ومدركة أن جراحها هي ثمن الكرامة التي يحاول الداخل والخارج سلبها.

ثانياً: سلطة "النظارة" والشراكة بالصمت والشماتة

إن وقوف السلطة اللبنانية الرسمية موقف المتفرج أمام إبادة شعبها ليس عجزاً فحسب، بل هو تواطؤ مفضوح. والأدهى من ذلك هو انحدار الخطاب السياسي لبعض نواب البرلمان ومسؤولي الأحزاب إلى درك "الشماتة" العلنية بجراح أهلهم، والتحريض المباشر على المقاومة في عزّ الاشتباك، وتبرير وزراء في الحكومة ورئيسها لما يقوم به الصهاينة تحت حجج واهية.

ثالثاً: جبهة الإسناد وحكومة "نواف سلام"

جبهة الإسناد لم تكن "مغامرة"، بل كانت ضربة استباقية دفاعية لأن المعلومات الميدانية كانت تؤكد أن الدور على لبنان آتٍ لا محالة بعد غزة. أما حكومة نواف سلام، فقد انتقلت إلى التنفيذ الميداني لمطالب العدو عبر تجريم المقاومين ووصفهم بـ "الإرهابيين"، وإصدار أوامر اعتقال بحقهم، وصولاً إلى استعداد رئيس الجمهورية للقاء مجرم الحرب "نتنياهو" لمنحه طوق نجاة سياسي.

رابعاً: اقتصاد الحرب.. حين يصبح التجويع سلاحاً "رسمياً"

لا تكتمل فصول المؤامرة إلا بضرب مقومات الصمود المعيشي. في الوقت الذي تبتكر فيه الشعوب المقاومة "اقتصاد حرب" يعزّز من منعتها، نرى السلطة اللبنانية تمارس "اقتصاد الانبطاح".

السلطة التي ترفض تفعيل خطط طوارئ حقيقية لدعم النازحين والصامدين، وتترك المواطن فريسة للاحتكار، هي في الحقيقة تمارس حصاراً مكمّلاً لحصار العدو. إن محاولة كسر إرادة الناس عبر لقمة العيش هي الوجه الآخر للمجازر؛ فمن يعجز العدو عن كسره بالنار، تحاول السلطة كسره بالرغيف.

خامساً: في التوصيف القانوني.. خيانة عظمى لا وجهة نظر

هذا ليس "تخويناً" بل هو توصيف دقيق للفعل الجرمي بموجب القوانين المحلية والعالمية:

بموجب الدستور اللبناني: أي إجراء يضعف الدفاع الوطني في حالة الحرب أو يسهل مهمة العدو (مثل تجريم المقاومة وملاحقتها) هو "خيانة عظمى" لا تقبل التأويل.

بموجب ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51): المقاومة حق طبيعي ومشروع للدول والشعوب في وجه الاحتلال والعدوان.

الخيانة الموصوفة:هي إصدار قرار اعتقال لمقاوم على الجبهة، والتفاوض المباشر مع قاتل أطفالك، والشماتة بضحايا شعبك وتبرير قتله.

شرعية "تحت المقصلة"

إن الذي تقبع رقبته تحت المقصلة — وهي المقاومة وبيئتها الصابرة — ليس كما الجلّاد، ولا كما الشامت المتفرج. لقد كشفت المعركة أن "غباء الآخر" تطور إلى "تآمر رسمي". لكن رهانهم خاسر؛ لأن صمام الأمان هو وعي هذه البيئة وصلابة الميدان، والموقف الوطني الحاسم للرئيس نبيه بري برفض التفاوض المباشر ومشاريع الفتنة.

ستبقى المقاومة هي السيادة، وسيبقى سلاحها هو الضمانة الوحيدة للبقاء. أما من اختار خندق الشماتة والتآمر بياقاته المنشّاة، فالتاريخ لن يرحمه، وقانون الشعب سيبقى يلاحقه بصمة "خيانة" أبديّة.